Accessibility links

انتخابات مصر بعد الثورة.. المرحلة الأولى


تصدرت القوى الإسلامية المشهد في مصر بعد أن حصدت أغلب أصوات المرحلة الأولى في انتخابات مجلس الشعب، وهذا أول اختبار حقيقي للديمقراطية الجديدة بعد ثورة يناير. فحزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين، وحزب النور الذي ينتمي للتيار السلفي، حصدا عددا كبيرا من الأصوات في الدوائر التسع التي شملتها المرحلة الأولى.

وأجمع كل المتابعين على أن الإقبال على المشاركة في ذلك الاقتراع لم يكن مسبوقا. وقالت باكينام الشرقاوي أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة إن الجوانب الإيجابية لتلك الانتخابات كانت السمة الأبرز. وأضافت لراديو سوا: "المحصلة الإجمالية تتجه للإيجابية أكثر من السلبية. الحضور الشعبي كان مفاجأة كبيرة. المفأجاة أيضا لم تكن في الحضور نفسه بل نوعية المشاركين التي شملت كافة فئات المجتمع في مصر، هذا علاوة الإصرار على المشاركة".

كما عزا Andrew Reynolds أستاذ العلوم السياسية في جامعة نورث كارولينا ذلك الإقبال إلى رغبة المواطنين الشديدة في إحداث التغيير. وقال لراديو سوا: "أعتقد أن هناك حماسا كبيرا للتغيير. كما يتوقع الكثيرون أن يكون للبرلمان دور ما في تغيير الوضع السياسي الراهن في مصر. أظن أن الاستجابة لدعوات المقاطعة كانت ضعيفة. فرغم شعور المواطنين بعدم الرضا عن الوضع الراهن، عليهم على الأقل محاولة تغيير الأمور عبر صناديق الاقتراع".

تلك التوقعات لم تكن بعيدة عن ذهن حزب الحرية والعدالة صاحب المقدمة، كما أفاد حلمي الجزار عضو الهيئة العليا للحزب في تصريح لراديو سوا: "كنا نتوقع هذا الإقبال الشديد فنحن جزء من هذا الشعب، ولهذا كنا نصر على المشاركة ليس لكي ننجح نحن ولكن لكي تنجح مصر. الذي نجح حتى الآن هي مصر".

وقالت غادة شهبندر عضو المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، إن الجولة الأولى كانت نجاحا للمجتمع المدني. واستطردت قائلا لراديو سوا: "على مستوى المشاركة الشعبية، كانت الانتخابات نجاحا للمواطن المصري. فالمواطنون ذهبوا لصناديق الاقتراع لاختيار مؤسسة مدنية تشارك بشكل فعال في بناء ديمقراطية حقيقية وهذا ما نسعى إليه جميعا".

وأشار شادي الغزالي حرب عضو ائتلاف شباب الثورة الى أن تلك الانتخابات هي إحدى ثمار الثورة والتضحيات من أجلها. وقال حرب لراديو سوا: "أعتبر العملية الانتخابية انجازا تاريخيا. والفضل الأول والأخير للثورة ولشهدائها سواء في الموجة الأولى أو الثانية. مظهر حضاري أن نرى كل هذه الملايين تتجه لصناديق الاقتراع".

لكن شادي طرح تساؤلا بشأن قدرة السلطات على ضبط الأمن تحت ظروف معينة: "إذا كانت هناك قدرة أمنية على السيطرة على أوضاع تتسم في الوضع الطبيعي بالعنف، أين كانت هذه القدرة في الشهور الماضية. ولماذا لم يتم السيطرة على حالة الانفلات الأمني التي سادت في الأشهر العشرة الماضية".

وأثنى Andrew Reynolds أستاذ العلوم السياسية على عملية تنظيم الانتخابات، لكنه قال إن الوقت مازال مبكرا لتقييم العملية برمتها: "لقد رصدنا حتى الآن تنظيما جيدا. فقد أتاح اليوم الإضافي والساعات الإضافية لعدد أكبر من الناخبين الإدلاء بأصواتهم. لكن الوقت مازال مبكرا فهذا هو اليوم الثاني للانتخابات ضمن عملية سوف تستغرق شهرين ونصف تقريبا".

باكينام الشرقاوي أستاذة العلوم السياسية قالت إن العملية الانتخابية شابتها أخطاء إدارية: "بالنسبة للجانب الإداري، كانت هناك أمور بسيطة يمكن حلها بجهد منظم مثل عملية وصول القضاة للجان في موعدهم وتوصيل الأوراق للجان، ولكن للأسف كان هناك قدر من التخبط الإداري".

وقالت غادة شهبندر عضوة المنظمة المصرية لحقوق الإنسان إن اللجنة القضائية العليا المسؤولة عن الانتخابات لم تكن مستعدة بالقدر الكافي لذلك الحدث: "الإدارة المسؤولة عن الانتخابات لم تكن مستعدة. هناك لجان لم تفتح في موعدها في اليوم الأول ووصلت أوراق الاقتراع متأخرة. كما كانت القرارات متسرعة مثل قرار إجراء الانتخابات على مدار يومين. هذا أمر جيد لكن كان يجب اتخاذ هذا القرار منذ أسابيع وليس قبل بداية الانتخابات بيومين".

وكانت اللجنة أقرت بوقوع أخطاء إدارية مشيرة إلى أنها لم تتوقع هذا الإقبال الكبير، لكن شهبندر اشارت إلى أنه كان يتعين على اللجنة الاستعداد لإقبال بنسبة مائة في المائة: "اللجنة الانتخابية العليا يجب أن تكون مستعدة لمشاركة بنسبة 100% في المائة. يجب أن تكون هناك خطة لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الناخبين".

وأوضح حلمي الجزار القيادي في حزب الحرية والعدالة أن تلك الأخطاء لن تؤثر على النتيجة النهائية: "من جانب حزبنا نرى أن هذه الأخطاء قياسا بالإيجابيات، يمكن إصلاحها وهي لا تؤثر بأي شكل من الأشكال على شفافية الانتخابات".

وتطرقت غادة شهبندر الناشطة الحقوقية إلى طبيعة الانتهاكات التي شهدتها المرحلة الأولى: "بالنسبة للانتهاكات فهي تقليدية، مثلا استمرار الدعاية أثناء الاقتراع. فكان يجب أن تتوقف الحملات الدعائية قبل 48 من بدء الانتخابات. وكان هناك تسويد للبطاقات والبطاقات الدوارة".

ولكن ما هي آلية الإبلاغ عن تلك الانتهاكات؟ شهبندر أجابت عن هذا السؤال بالقول: "نبلغ اللجنة العليا للانتخابات يوميا بهذه الأمور. هذا إلى جانب قيام المرشحين باتخاذ الإجراءات القانونية التي قد تبطل الانتخابات في لجنة ما. ولكن رأينا في النهاية هو رأي استشاري".

وأقر حلمي الجزار عضو الهيئة العليا لحزب الحرية والعدالة بوقوع بعض الانتهاكات: "في الانتخابات الماضية كنا نشاهد أنصار المرشحين يوزعون مواد دعائية أمام لجان الانتخاب. لم يكن لدى المندوبين هذه المرة وعي كامل بأن هذا ممنوع.

وعندما بدأت العملية الانتخابية حاول البعض أن يوزع المواد الدعائية مثلما كان يحدث في السابق لكن تم التنبيه عليهم وانحسر هذا الأمر تماما بعد ظهر اليوم الأول".

يذكر أن الكتلة المصرية التي تضم أحزاب المصريين الأحرار والتجمع والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي تنافِس بقوة التكتلات الإسلامية وقد نجحت في حصد عدد من المقاعد. كما اتهم البعض تلك الكتلة هي الأخرى بممارسة انتهاكات أثناء المرحلة الاولى. لكن أحمد سعيد عضو المجلس الرئاسي لحزب المصريين الأحرار نفى ذلك قائلا لراديو سوا: "أنا لا أعرف. لقد خضت الانتخابات ولا أعلم شيئا عن أي انتهاكات. ولكن كل الانتهاكات وفقا لتصريحات اللجنة العليا ارتكبتها أحزاب ذات توجهات دينية".

ودعا سعيد إلى ضرورة وجود آلية لمحاسبة كل من يثبت ارتكابه مخالفات: "يجب أن يكون هناك نوع من أنواع العقاب يردع الناس ويجعلهم لا يرتكبون نفس الانتهاكات مجددا. نحن نحاول أن ندفع نحو ذلك دون أن نرى أي تغيير".

ورغم ذلك قالت غادة شهبندر عضوة المنظمة المصرية لحقوق الإنسان إن المخالفات لم تصل إلى مستوى التزوير على نطاق واسع. لكن شهبندر حذرت من استمرار الانتهاكات في المراحل القادمة: "نحن نحذر من أنه إذا لم تتجنب اللجنة العليا الوقوع في نفس الأخطاء الإدارية فإن النتيجة ستكون سيئة جدا وستنعكس على شرعية البرلمان المنتخب".

واستبعدت باكينام الشرقاوي أستاذة العلوم السياسية أن تتكرر الأخطاء في المراحل المقبلة بنفس الكيفية: "أعتقد أن حجم الأخطاء ستكون أقل، لكننا لن نصل إلى مستوى تنعدم فيه الأخطاء, ستكون هناك مراعاة لعدم تكرار نفس الأخطاء".

كما توقعت الشرقاوي أن تستمر نفس الأجواء الهادئة في المراحل المقبلة من الانتخابات: "أعتقد أن تقسيم المراحل الثلاث تم بأسلوب يجعل كل مرحلة تعكس التنوع الحضري والريفي في مصر. وكل مرحلة لها خصوصيتها وهناك احتمالات أن تحدث مشاكل في كل مرحلة. لكن إذا استمرت إرادة المجلس الأعلى والحكومة على تأمين الانتخابات بنفس المستوى فإن المرحلتين الثانية والثالثة لن تشهد مشاكل كبرى".

المرحلة الأولى انتهت لكن تتبقى مرحلتان أخريان لتحديد الفائز النهائي في أول سباق انتخابي بعد الثورة. بيد أن Andrew Reynolds أستاذ العلوم السياسية في جامعة نورث كارولينا توقع أن يحقق الإسلاميون الفوز في النهاية ولكن بدون ان تتخطى نسبة المقاعد الخمسين بالمئة: "أعتقد أنه من المحتمل أن تفوز الأحزاب الإسلامية وعلى رأسها الحرية والعدالة بالأغلبية. لكن من غير المحتمل أن تفوز بأكثر من نصف المقاعد. أعتقد أن تلك الأحزاب ستفوز بنسبة تتراوح ما بين أربعين وخمسين بالمائة من إجمالي الأصوات".

ورجـّح حلمي الجزار القيادي في حزب الحرية والعدالة أن يحقق الحزب فوزا كان يتوقعه: "نحن نتوقع نعم، ولكن الثقة التامة أمر مستبعد لأنه لا يمكن لأي سياسي أن يعرب عن ثقته في النتيجة قبل إعلانها رسميا. نحن نتوقع أن نحظى بما كنا نخطط له. فقد كنا نخطط للفوز بثلث مقاعد البرلمان".

كما قال أحمد سعيد عضو المجلس الرئاسي بحزب المصريين الأحرار إن التقدم الذي احرزه حزب الحرية والعدالة والنور لم يكن مفاجئا.

شادي الغزالي حرب عضو إئتلاف شباب الثورة أكد أن ما يهمهم ليس اسم الحزب الفائز بالأغلبية ولكن ما يشغل بالهم هو أن تتحقق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة: "لا يشكل أي حزب يتقدم في الانتخابات مشكلة لميدان التحرير. ميدان التحرير كرمز لمصر هو معني بثلاثة أشياء رئيسية والتي نادت بها ثورة 25 يناير وهي عيش وحرية وكرامة إنسانية. وعندما تمتهن أي من المبادئ الأساسية كما حدث قبل أسابيع فإننا نعود للاعتصام ونطالب بأن يتم محاسبة المسؤول".

ولكن كيف ينظر الغرب وتحديدا الولايات المتحدة إلى احتمالات فوز الإسلاميين في مصر؟ Andrew Reynolds أستاذ العلوم السياسية قال إن واشنطن تستوعب هذا الواقع الجديد: "أعتقد أن واشنطن تتوقع أن يحدث هذا. والولايات المتحدة ستساعد الحكومة الجديدة في مصر وتتعاون معها. الولايات المتحدة تتعامل الآن مع حكومات يقودها إسلاميون في تونس والمغرب الى حد ما وقد يكون الأمر كذلك في ليبيا، لذا أظن أنهم باتوا مستعدين للتعامل مع أي مجموعة سياسية تتبنى وجهات نظر مختلفة عن الإدارة الأميركية".

وخرجت بعض الدعوات من جانب حزب الحرية والعدالة تطالب بأن تضطلع الأغلبية البرلمانية بتشكيل الحكومة.

لكن شادي الغزالي حرب نبه إلى أن ذلك سيكون صعبا وفقا للدستور الراهن: "يجب أن نلفت النظر إلى أننا مازلنا دولة رئاسية. لسنا نحن من أكدنا على هذا بل اللواء ممدوح شاهين عضو المجلس العسكري. لذلك فإن اختيار الحكومة الجديدة سيحدث من جانب المجلس العسكري حتى بعد انتخاب البرلمان".

وقالت باكينام الشرقاوي أستاذة العلوم السياسية إنه إذا كانت هناك إمكانية أمام حزب الأغلبية لتشكيل الحكومة، فعليه التحالف مع قوى أخرى: "أعتقد أن أي حزب سيحصل على الأغلبية في ظل مرحلة انتقالية شائكة، لن يستطيع سياسيا أن يدعي أنه قادر على تشكيل حكومة بمفرده. لذا أتوقع أنه إذا فاز أي حزب بالأغلبية سينفتح ويدعو إلى تشكيل حكومة تشارك فيها الأحزاب الأخرى حتى وإن كانت أحزاب أقلية".

ولكن هل ستفرز هذه الانتخابات بالفعل برلمانا قويا يستطيع بدء نقل السلطة عمليا من المجلس العسكري إلى سلطة مدنية؟ Andrew Reynolds أستاذ العلوم السياسية في جامعة نورث كارولينا استبعد هذا الأمر قائلا: "لا أعتقد أن الطريقة التي سيتشكل على أساسها البرلمان ستجعله قويا بشكل كافٍ. فإذا تم التمسك بالمبادئ فوق الدستورية فإن المجلس العسكري سيظل مس

يطرا على مقاليد الأمور. وسوف يتحكم المجلس في عملية صياغة الدستور الجديد". لكن باكينام الشرقاوي توقعت أن تفرز الانتخابات برلمانا قويا: "وجود برلمان منتخب في ظل شعبية عارمة، أعتقد أن هذا البرلمان سيكون له دور قوي في الحياة السياسية. وأبجديات الحياة السياسية أن يكون له رأي في تشكيل الحكومة المصرية".

وقدم أحمد سعيد القيادي في حزب المصريين الأحرار توضيحا لأبعاد صلاحيات البرلمان القادم: "أشك أن البرلمان سيكون بلا صلاحيات. عندما قال المجلس إن البرلمان بلا صلاحيات كانوا يقصدون أن البرلمان القادم لن يشكل الحكومة. ولكنني أعتقد أنه سيكون قويا وسيكون جهة تشريعية لها صوت".

لكن سعيد نبه إلى معادلة أخرى وهي التطورات التي يمكن أن تشهدها الأسابيع القادمة على صعيد التجاذبات السياسية الأمر الذي قد يلقي بظلاله على العملية الانتخابية برمتها: "قد تكون هناك سخونة في المرحلة القادمة من ميدان التحرير والثورة وانتهاكات معينة ورفض للوزارة الجديدة. فيجب أن ننتبه إلى أنه يتم تشكيل الحكومة الآن بالتوازي مع الانتخابات. أعتقد أن الناس لا تتحرك هذه الأيام بسبب الانتخابات، لكن الأمور ستتغير في ميدان التحرير بعد انتهاء تلك العملية. إذاً سيصبح المشهد السياسي ساخنا إذا تحرك المشهد الثوري في الأيام القادمة".

وفي المقابل، هل يمكن أن يتراجع الزخم في ميادين التظاهر والاعتصام أمام سخونة العملية الانتخابية؟ شادي الغزالي حرب عضو ائتلاف شباب الثورة أجاب قائلا: "ربما تأثر الزخم بسبب أجواء الانتخابات. ولكن هذا لا يعني أن ميدان التحرير فقد الزخم لأنه ليس طرفا في معادلة سياسية بل هو أكبر من ذلك".
XS
SM
MD
LG