Accessibility links

هيوز تؤكد أن الديمقراطية تتطلب وجود أحزاب سياسية مستقلة وصحافة حرة ومؤسسات مدنية


قالت وكيلة وزارة الخارجية الأميركية للديبلوماسية والشؤون العامة كارين هيوز إن التغيير طاقة ضرورية لجعل المجتمعات أكثر انفتاحا وعدالة، وإن القادة الذين يتقبلون التغيير ويتبنونه هم الذين سيطلقون عقال الحرية الإنسانية في بلدانهم.
وأعلنت هيوز في كلمة لها أمام جمع من قادة وزعماء الحكومات الأميركية والإسلامية والمؤسسات التجارية والمجتمعات المدنية في افتتاح المؤتمر السنوي الثالث لمنتدى الولايات المتحدة والعالم الإسلامي في الدوحة بقطر السبت أن احتمال التغيير ظل عبر التاريخ يطلق للناس حرية تصور عالم مختلف أفضل، فلا يكتفي القادة العظام بمجرد رؤية هذا الاحتمال بل وباغتنامه والمساعدة على تحقيقه.
وفيما يلي نص كلمة هيوز كما أعدت لإلقائها:
سمو أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حضرة أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلي، حضرة الضيوف والأصدقاء الكرام، يشرفني ويسعدني أن أكون معكم هنا اليوم. وأود الإعراب عن شكري لمنظمي هذا المنتدى وللشركاء الكثيرين، بمن فيهم الحكومة القطرية، لما بذلوه من جهد كبير لتحقيق نجاح هذا المؤتمر إلى هذا الحد. وأشكر أيضاً مشروع بروكنغز الخاص بالسياسة الأميركية تجاه العالم الإسلامي. وبروكنغز مؤسسة ينشط في أحضانها البحاثة والخبراء وقد قدمت على مر السنين إسهامات مهمة في النقاش المتعلق بالسياسة العامة.
إن الموضوع الرئيسي الذي يناقشه المنتدى الإسلامي الأميركي هذا العام: "القادة يحدثون التغيير" يسلط الضوء على الدور الحاسم الذي يلعبه القادة في تغيير مجتمعاتهم جذريا. وكما نعرف جميعا، ليس جميع هؤلاء القادة من الحكومة أو من أوساط رجال الأعمال أو من الزعماء العظماء في منظماتنا الدينية، بل إن القادة يبرزون أحياناً في مواضع لا يرتقب ظهورهم منها.
وقد فُجع بلدي في الخريف الماضي بوفاة سيدة ما كانت ستصف نفسها إطلاقاً بأنها قائدة عظيمة، ولكنها أصبحت كذلك، من مكان لا يتوقع ظهور الزعماء منه. فقد كانت سيدة من أصل أفريقي تعيش في الجنوب الذي كان يطبق التمييز العنصري. ولم تكن تملك أي سلطة أو ثروة أو مكانة تمنحها نفوذاًً خاصا، ولكنها كانت تملك شيئاً أثمن من ذلك بكثير: كرامة هادئة وإيمان لا يتزعزع بالعدالة.
فحين رفضت روزا باركس التخلي عن مقعدها في الأوتوبيس لرجل أبيض كانت مرهقة بعد يوم عمل طويل كخياطة، ولكن الأهم من ذلك، أنها كانت مرهقة من حياة تزخر بالظلم والإذلال في بلد كان قد أخفق في أن يكون على مستوى الإيمان الراسخ الذي قام على أساسه بأننا جميعاً خُلقنا متساوين.
وقد ساعد تمرد روزا باركس الهادئ في إشعال شرارة حركة الحقوق المدنية الأميركية. وأصبحت ترمز إلى ضمير بلدي، وهو بلد ما زال يجاهد يومياً ليكون في مستوى العهد الذي نقطعه على أنفسنا بتوفير الحرية والعدالة للجميع. وتذكرنا روزا باركس بأننا يجب ألا نقلل أبداً من أهمية الاختلاف الذي يمكن لشخص يتحلى بالشجاعة والضمير أن يحدثه.
ويصادف هذا الخريف الذكرى السنوية الخامسة ليوم فظيع في أميركا. وقد كنت أعمل في البيت الأبيض في 11 أيلول/سبتمبر، ولن أنسى أبداً شعور الصدمة والاستفظاع والحزن حين أدركت أن إرهابيين قد شنوا هجوماً ضخماًً بدون أي استفزاز وقتلوا الآلاف من الناس الأبرياء.
لقد كانت تلك الهجمات أعمال كراهية وقتل مستوحاة من إيديولوجية تسعى إلى فرض الطغيان عن طرق القوة والخوف. ولا يمكن أن يكون الفرق بين ذلك وبين وسيلة روزا باركس السلمية وأهدافها النبيلة أكثر وضوحا. ولكن تلك الهجمات كانت مع ذلك الشرارة التي ولدت إدراكاً جديداً بأن لأميركا مصلحة حيوية في تعزيز الحرية والعدالة في الخارج، تماماً كما يجب عليها العمل يومياً لدفع عجلتهما داخل البلد. وكما قال الرئيس بوش في خطاب تنصيبه الثاني: "لأنه طالما ظلت مناطق بأكملها من العالم تجيش بالشعور بالمهانة والاستبداد- عرضة للتأثر بالإيديولوجيات التي تغذي الكراهية وتبرر القتل، سيزداد العنف تدريجاً وسيتضاعف في قوته المدمرة وسيعبر حتى أكثر الحدود تحصيناً وسيشكل تهديداً مميتا. وهناك قوة واحدة في التاريخ يمكنها أن تضع حداً لسيادة الكراهية والاستياء، وأن تكشف عن ادعاءات الطغاة، وأن تكافئ آمال الطيبين والمتسامحين، وهذه القوة هي قوة الحرية الإنسانية." وقد أدركت أميركا في أعقاب 11 أيلول/سبتمبر أنه لن يكون هناك أمن حقيقي ولا سلام دائم إلى أن تقف أميركا إلى جانب تلك الأصوات الشجاعة الداعية إلى الحرية والعدالة في جميع أنحاء العالم.
وتنبثق هذه الأصوات أحياناً من أماكن غير متوقعة. وإنني أفكر بسيدة باكستانية في مقتبل العمر اغتصبتها زمرة من الأشرار بوحشية، ثم تجرأت على رفع صوتها وتحدي الوضع القائم وتشجيع التغير من خلال قولها إن الاغتصاب يشكل دوماً جريمة فظيعة وليس مسألة شرف أبدا. ولا يمكن أن تكون تلك المجاهرة سهلة بالنسبة لهذه السيدة الشابة؛ ويشير التاريخ إلى أن المناداة بالتغيير نادراً ما تكون سهلة. إن التغيير يشكل تحدياً لنا، إنه يزعزع يقيننا ومسلماتنا ويجعلنا غير مرتاحين. وكثيراً ما يُرهَب التغيير ويحارَب، ولكن عندما يتحقق أخيراً، يُنظر إليه في الكثير من الأحيان على أنه لم يكن ضررويا وحسب، وإنما كان أيضاً بالنظر إلى الماضي متباطئا جدا في الوصول. وكما قالت وزيرة (الخارجية، كوندوليزا) رايس في القاهرة، "تبدأ جميع الإنجازات الأخلاقية العظيمة بأشخاص لا يقبلون فكرة أنه يتعين أن يكون واقع اليوم هو واقع الغد أيضا." وقد أدى توقع التغيير، عبر التاريخ، إلى شعور الناس بحرية تخيل عالم مختلف وأفضل، والقادة العظام لا يرون هذه الفرصة فقط وإنما يغتنمونها ويساعدون في توفيرها.
ويقوم قادة شجعان في جميع أنحاء العالم اليوم، بعضهم من أماكن غير متوقعة، بتحدي الوضع القائم والمناداة بالتغيير والسعي إلى إطلاق العنان لقوة الحرية الإنسانية التي تشكل أقوى قوة، وذلك لجعل مجتمعاتهم أكثر إنصافاً وأكثر استقامة وأكثر انفتاحاً وأكثر خضوعاً للمساءلة والمحاسبة.
على بعد بضع مئات الأميال من هنا، يخوض الصحفي الإيراني البطل، أكبر غنجي، وحيداً، معركة في سبيل الحرية في وطنه العزيز عليه. وقد كان ما اعتُبر جريمة وأدى إلى سجنه منذ حوالى ست سنوات، تجرؤه على الكشف من خلال كتاباته عن تورط السلطات الحكومية في سلسلة من عمليات قتل الكتّاب والمنشقين. وهو يجسد جيلاً جديداً من الإيرانيين الذين يصرون على التغيير. إن الشعب الإيراني يتوق إلى الحرية، وهو يستحق الحرية، وسيأتي اليوم الذي يجعل فيه الحكومة الإيرانية جديرة بشعبها العظيم. وكما أشارت وزيرة الخارجية في شهادتها هذا الأسبوع أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، إن أميركا وشركاءنا الدوليين يشعرون بقلق كبير إزاء سياسات النظام الإيراني المزعزعة للاستقرار في جميع أنحاء المنطقة، السياسات التي تدعم - وتصدّر- الإرهاب والتطرف العنيف. ونحن مصممون، كما قالت وزيرة الخارجية، على "التصدي بنشاط لسياسات هذا النظام الإيراني العدوانية... وفي نفس الوقت، سنعمل على دعم تطلعات الشعب الإيراني إلى الحرية في بلده."
وفي الكويت، عبرت سيدة كويتية شجاعة عن رأيها للرجال الذين يقودون بلدها موضحة رسالة مفحمة: "إن نصف ديمقراطية ليس ديمقراطية." وقد تحدت الوضع القائم وجندت الفعاليات الطلابية في جامعة الكويت في قضيتها وساعدت المرأة على اكتساب حق التصويت وترشيح نفسها في الانتخابات في الكويت.
وقد دفع بعض هؤلاء القادة المنادين بالتغيير ثمناً مروعاًً لمواقفهم. ففي مصر، لم يعد بمقدور الروائي الحائز على جائزة نوبل، نجيب محفوظ، الكتابة بعد محاولة اغتياله على يد متطرفين يؤمنون بالعنف. (ومحفوظ،) هذا المؤلف العربي الوحيد الذي منح جائزة نوبل للأدب، محبوب لتصويره الدقيق المرهف للشخصية المصرية والعربية. وقد اتخذ، كمؤيد لمبادرة أنور السادات للسلام مع إسرائيل، موقفاً لصالح مستقبل مصر. وأصبحت شخصيات رواياته معروفة جداً في مصر والعالم العربي، ولم يحقق أولئك الذين حاولوا إخماد صوته سوى جعله أكثر تأثيراً ونفوذا.
وفي لبنان، قبل عام واحد، قتل رئيس الوزراء رفيق الحريري بوحشية. ولكن هذه الخسارة الفادحة للبنان أشعلت شرارة تغيير عظيم كان سيرحب به في حياته، لدى اكتشاف الشعب اللبناني لقوة صوته ومطالبته بإنهاء الهيمنة السورية والاحتلال السوري لبلده.
والليلة، نتذكر شخصاً كان ينبغي أن يكون معنا ولكنه غائب عنا، مصطفى العقاد. (مصطفى العقاد) المسلم المهاجر إلى أميركا، ابن حلب الذي أحب أميركا ووطنه الأصلي أيضا. وقد حاول من خلال الأفلام تقديم دين إسلامي عطوف رحيم روحاني. ويشكل موته مع ابنته في حادث تفجير الفندق في عمان خسارة مأساوية لكل المعجبين بفنه وروحه.
وقد بدأ الناس في جميع أنحاء العالم الإسلامي يعبرون عن رأيهم في انتخابات حرة. ولن أنسى إطلاقاً يوم استيقظت صباحاً وشاهدت الصور في صحيفتي، وإن كانت غير واضحة تماماً بسبب الدموع المترقرقة في عيني، للصفوف الطويلة من النساء والرجال في أفغانستان وبعد ذلك في العراق، الذين تحدوا التهديد بالموت ليصوتوا في سبيل مستقبل أفضل، ورفعوا أصابعهم المصبوغة بالحبر الأرجواني معبرين عن نشوة الانتصار. فكروا بعظمة ما شاهدناه خلال فترة قصيرة جدا: عمليتان انتخابيتان في أفغانستان لاختيار دستور ورئيس وبرلمان؛ وثلاثة انتخابات في العراق لإقرار دستور واختيار حكومة انتقالية وحكومة دائمة، وعمليتا انتخاب في مصر لاختيار رئيس وبرلمان، وعمليتان انتخابيتان في الأراضي الفلسطينية وعملية انتخابات في لبنان وانتخابات بلدية في المملكة العربية السعودية. وقد كانت بعض هذه الانتخابات أكثر حرية وشفافية من غيرها، وكان لكل منها نتيجة مختلفة، ولكن كل عملية انتخابات منها كانت جزءاً من تعزيز الحرية من خلال تشجيع الحوار وإثارة النقاش وإفساح المجال أمام مشاركة أكبر من قبل الشعب الذي يستحق أن يرسم معالم مستقبله بنفسه.
وقد صوت الشعب الفلسطيني في انتخابات أجريت أخيراً واختار التغيير. وأريد أن يعرف الشعب الفلسطيني أن أميركا تشاطركم أملكم في حياة أفضل وحلمكم بدولة لكم تعيش بسلام جنباً إلى جنب مع إسرائيل، ونعكف حالياً على العمل لمساعدتكم في تحقيق الأمرين. وإننا نهنئكم على إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة. وقد أسمعتم صوتكم- إنكم تريدون خدمات أفضل ونهاية للفساد. ونعتقد أيضاً أنكم تريدون أن تعيشوا وتعملوا وتربوا أولادكم بسلام. وقد تحدث الرئيس بوش عن ذلك الحلم، عن دولتين حرتين ديمقراطيتين تعيشان جنباً إلى جنب بسلام وحرية. ومن الطبيعي أن هذه الرؤيا لن يكتب لها النور إلا إذا تقبلنا جميعا فكرة الدولتين. إن الفكرة (فكرة الدولتين) هي في صميم اتفاقيتي سلام والكثير من القرارات والاتفاقيات والتفاهمات الدولية، ولكنها ليست مقبولة بعد لدى الجميع. ولكنه ينبغي للناس لكي يعيشوا ويعملوا ويذهبوا إلى المدارس ويعيشوا بحرية بحرية حياة منتجة أن يشعروا بالتحرر من العنف والإرهاب ويجب أن يدركوا أن من حق الآخرين الحق ذاته في التحرر من الخوف. وإن أميركا والمجتمع الدولي اللذين يحرصان ويهتمان بالشعب الفلسطيني قد أعلنا عن تفكير منطقي أنه ينبغي علينا جميعا أن نشترك في اعتناق نفس المبادئ، وهي المبادئ التي اتفقنا عليها عبر سنوات من المفاوضات، في سبيل التوصل إلى هدفنا المشترك وهو الدولة الفلسطينية. وعليه، ولكي تفي الحكومة الفلسطينية بوعودها في تحقيق مستقبل أفضل للشعب الفلسطيني فإن مسؤوليتها هي نبذ العنف والإرهاب ثم الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود والقبول بالاتفاقيات والالتزامات السابقة. هذا هو السبيل الوحيد لإحراز التقدم.
ودعوني أكون واضحة: إن أميركا تؤمن بالانتخابات حتى عندما تخالف بشدة آراء الذين تم انتخابهم، تماماً كما تؤمن أميركا بحرية الكلام حتى عندما ننزعج كثيراً مما يقال أحيانا.
وطبعا، (تقولها بالعربية) مع الحرية مسؤولية. إن الحكومات تتحمل مسؤولية إزاء شعوبها، بأن تقيم سيادة القانون وتصون حقوق الإنسان، بما فيها حق النساء والأقليات، وأن تحارب الفساد وتوسع نطاق المشاركة السياسية. وتشكل الانتخابات جزءاً مهماً من الديمقراطية، ولكنها ليست سوى جزء واحد، وتتطلب الديمقراطية الناجحة أحزاباً سياسية مستقلة ومنظمات غير حكومية وصحافة حرة ومؤسسات مدنية أهلية تتيح للمواطنين التجمع بحرية والانخراط في النقاش والحوار بدون خوف أو تحرش حكومي. والتحدي الذي يواجهه قادة هذه المنطقة هو الإصغاء إلى مطالبة أفراد الشعب بمزيد من الحرية: السماح لهم بتشكيل الأحزاب السياسية والسماح لهم بالتجمع والتكلم بحرية أكبر والسماح لهم بالحصول على ورق الجرائد كي يتمكنوا من إدارة صحفهم الخاصة بهم.
وفي المجتمعات الحرة، تقع على عاتق الأفراد هم أيضا مسؤوليات تجاه مجتمعهم. فمن مسؤولياتنا احترام وتقدير، وحتى الاحتفاء بآراء الآخرين. وفي الديمقراطيات الحقة، يتمتع الجميع بحق الإعراب عن آرائهم وتبادل الأفكار والمشاركة كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. وفي المجتمعات القائمة على أساس الحرية والعدالة، نتمتع بحق إزعاج بعضنا بعضاً شفويا وبمسؤولية بذل كل ما يمكننا من جهد كي لا نفعل ذلك. وهناك عبارات جارحة إثنياً وعرقياً لم يعد الناس المهذبون يستخدمونها في بلدي رغم أنه لا يوجد أي قانون يحظر استخدامها، وفي حين أن الصحف تملك حرية نشرها فإن معظمها لن يفعل ذلك أبدا، تماماً كما اختار الكثير من الصحف الأميركية عدم إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية التي صورت النبي (صلعم) لأنها تدرك أنها مقيتة جداً، وحتى تجديفية بالنسبة للمعتقدات الراسخة العزيزة على أصدقائنا وجيراننا المسلمين.
ويجب علينا ألا نسمح، أثناء مناقشتنا هذه القضايا الصعبة، للتطرف بأن يحدد موقفنا، وهذا بصراحة مهمة صعبة جداً في عالم تنتقل فيه الأنباء بصورة فورية ويمكن فيه للإشاعات أن تهيج أعمال الشغب ويلفت فيه العنف الانتباه أكثر بكثير من الاحتجاج السلمي. لقد شجبت أصوات مسلمة وغربية أيضاً الرسوم بوصفها كريهة مؤذية للمشاعر. ودعت أصوات مسلمة وغربية أيضاً إلى التسامح والاحترام. وشجبت أصوات مسلمة وغربية أيضاً العنف. وقد أخطأ المحتجون عندما هددوا الأرواح وخربوا الممتلكات، وأخطأت الحكومات وجهات أخرى عندما حاولت التلاعب بالغضب الحقيقي (واستغلاله)، ولكن الآلاف من الناس خرجوا أيضاً في مسيرات سلمية ممارسين حقهم في التعبير عن أنفسهم. كما أنني أرجو أن تغتنم الحكومات والصحفيون وغيرهم هذه الفرصة لإمعان الفكر والمجاهرة بوضوح بمعارضة البيانات المعادية لليهودية والمعادية للمسيحية التي تظهر في أحيان مفرطة الكثرة في منشورات هذه المنطقة.
بعد مرور خمس سنوات على 11 أيلول/سبتمبر، يدعي البعض بأن النزاع حول الرسوم الكاريكاتورية يمثل صداما بين الحضارات، ولكن ذلك هو بالذات الصدام الذي يحاول أعداؤنا إثارته ويجب علينا ألا نسمح بذلك.
لقد تعلمنا الكثير في فترة السنوات الخمس التي انقضت على حرائق 11 أيلول/سبتمبر المفاجئة.
- أولاً، إن الأميركيين وشعوب العالم الإسلامي والشعوب الطيبة في جميع أنحاء العالم يواجهون تهديداً مشتركاً، ويجب علينا أن نواجهه معا. إن الإرهابيين لم يهاجموا أميركا فقط بل هاجموا كل من يجرؤ على مخالفتهم الرأي أو يقف في طريقهم أو أولئك الذين يجدون أنفسهم ببساطة في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. وقد واصل الإرهابيون توجيه الضربات منذ 11 أيلول/سبتمبر، فقتلوا المئات من الضحايا الأبرياء في أفغانستان وإندونيسيا والعراق والأردن ومصر وبريطانيا وروسيا وإسبانيا، وكثيرين غيرهم. وكان الكثير من الذين قُتلوا من المسلمين.
- ثانياً، يحاول خصومنا جعل هذا مسألة دين، في حين أن إيديولوجيتهم هي في الحقيقة إيديولوجية سياسية من الاستبداد والكراهية. إن حث الشبان على وضع أحزمة من القنابل حول أجسادهم لقتل أنفسهم وأكبر عدد ممكن من الأبرياء ليس مبدأ مشروعاً في أي دين. إن الإسلام والمسيحية واليهودية، جميع الديانات العظيمة في العالم، تعتبر الحياة شيئاً نفيساً وتعتبر قتل الأبرياء إثما. ونحن نعرف من بيانات وكتابات المتطرفين أن هدفهم الحقيقي هو الاستيلاء على دولة أو أكثر من الدول الأبية في العالم الإسلامي وفرض دولة عُظمى يملي فيها المتطرفون المستخدمون للعنف على الملايين مصيرهم. والشعب الأفغاني يعرف أكثر من أي شعب آخر الهدف السياسي الذي يبغي هؤلاء المتطرفون فرضه على بقيتنا، لأنه أُجبر على تحمله. لقد أخمد (نظام) طالبان النقاش والإبداع والتعبير. وتم حظر الاستماع إلى الموسيقى ومشاهدة التلفزيون وتطيير طائرات الورق، وحتى الضحك بصوت مسموع. وكانت النساء حبيسات منازلهن فعلا، لا يستطعن الخروج إلى السوق بحرية ويمنعن من العمل حتى إن لم يكن لديهن زوج أو سبيل آخر لإعالتهن. ولم يكن يسمح للبنات الصغيرات بالذهاب إلى المدرسة أو حتى بتعلم القراءة والكتابة في البيت. لقد عاش الشعب الأفغاني الإيديولوجية التي يناصرها خصومنا، وقد رفضتها أغلبية ساحقة في استطلاع للرأي أجري أخيرا. فقد قال 82 بالمئة إن الإطاحة بحكومة طالبان كانت شيئاً جيداً لأفغانستان. وينبغي أن تتنبه المجتمعات المسلمة في جميع أنحاء العالم إلى أن المسلمين الذين يعرفون المتطرفين الممارسين للعنف أكثر مما تعرفهم أي جهة أخرى يرفضونهم بشدة.
- ثالثاً، يجب علينا جميعاً أن نعمل للتشجيع على مزيد من التفهم والحوار بين الأديان. إن معتقدات الناس الدينية مترسخة في أنفسهم أثيرة لديهم. وأنا أعرف ذلك لأن معتقداتي كذلك بالنسبة لي. وأشعر بالقلق أحياناً لكونه يتم أحياناً فهم الحرية الدينية الأميركية خطأ على أنها تحرر من الدين. إن الأميركيين يؤمنون بالفصل بين الدين والدولة، وهذا يعني أن حكومتنا لا تملي على الأميركيين الكيفية التي يمكنهم العبادة فيها، بل إن الناس أحرار في ممارسة العبادة الدينية كما يشاؤون. ويشعر الكثير من الأميركيين بالتزام كبير بدينهم، وهناك أمور كثيرة مشتركة بين جميع المؤمنين من أتباع الأديان المختلفة. فبصفتي مسيحية، يعلمني مخلّصي أن أقصى أولوياتي هي أن أحب الله وأحب جيراني، ويشاطرني أصدقائي المسلمون واليهود هذا المعتقد. إن الأميركيين يحترمون جميع الأديان، بما فيها الإسلام، ويعيش في بلدي حوالى 7 ملايين مسلم يعملون ويمارسون شعائرهم الدينية بحرية. وبصفتي مسؤولة حكومية، فإنني أمثل أناساً من جميع الأديان، بالإضافة إلى أشخاص لا ينتمون إلى أي دين. وفي بلد تعددي إلى درجة كبيرة كبلدنا، يتعين علينا جميعاً أن نحترم المعتقدات التي يعتبرها كل منا مقدسة، والحوار والاحترام والتفهم هي أفضل طريقة لتحقيق ذلك.
- وأخيراً، أعتقد أن من واجبنا جميعاً العمل على تعزيز المصالح المشتركة والقيم المشتركة بين شعوبنا المختلفة. إن هناك الكثير الذي ينبغي علينا تعلمه من بعضنا بعضاً وإن لدينا مما يمكنه التوحيد بيننا أكثر مما لدينا ما يمكنه التفرقة بيننا. إننا جميعاً نقدر التعليم ونريد أن يجني أولادنا فائدته. إننا نقدر العلوم والتكنولوجيا ونريد استكشاف حدود جديدة معا. إننا جميعاً نريد حماية عائلاتنا. وإننا جميعاً نريد أن نعيش حياة شريفة ومحترمة، حياة نأمل أن يكون لها تأثير إلى الأفضل.
وأنا أنظر إلى وظيفتي على أنها شن حملة من السلام. وإنني أستعمل كلمة "شن" عن تعمد لأن تحقيق السلام، والمساعدة في تحقيق عالم أفضل وأكثر حرية سيتطلب التزاماً كاملاً من كل واحد منا. وكما يشير هذا المؤتمر، إن القادة يحدثون التغيير، وأود اغتنام هذه الفرصة لتحدي كل واحد منا- في الحكومة وفي مؤسسات الأعمال وفي الصحافة وفي مؤسسات الفكر والرأي، والكثير من الأشخاص الذين قد يبرزون كقادة من أماكن غير متوقعة- على أن نرفع أصواتنا ضد الإرهاب ونواجه ثقافة الكراهية. يجب علينا أن نتكاتف كمجتمع عالمي لنقول إن قتل الأبرياء المتعمد، مهما كانت شرعية المظلمة ومهما كانت صحة وشرعية القضية، ليس تصرفاً قويماً أبداً وليس مقبولاً أبداً. يتعين علينا أن نفعل إزاء الإرهاب ما فعلناه إزاء الاسترقاق فنجعله منبوذاً على الصعيد الدولي. وإن كنا راغبين حقاً في التوصل إلى فهم أفضل لبعضنا بعضا، وإن كنا راغبين حقاً في أن يؤتي حوارنا ثمارا، علينا أن نتوقف عن تصوير الآخر على أنه شبه شيطان وأن نحل الأمل محل الكراهية.
لقد اشتهر بلدي بوصفه بلد الفرص، حيث يمكن للمستعدين على الدأب على العمل بجد أن يحققوا أحلامهم. وبصفتي أماً أحب أولادي والأولاد الآخرين كثيرا، أريد أن تتوفر هذه الفرصة لجميع أولاد العالم. إن أميركا تعمل مع دول العالم الإسلامي الكثيرة، وستعمل معها، بروح من الشراكة. إننا نسعى لأن نكون شريكاً في السلام، شريكاً في التقدم، وشريكاً في حياة أفضل لجميع الشعوب. وأنا مقتنعة تماماً بأننا نستطيع معاً إحداث تغيير وتحقيق عالم يتسم بحرية أكبر وبالعدالة للجميع.
XS
SM
MD
LG