Accessibility links

logo-print
بات الإسلاميون في المغرب بعد تونس في واجهة السلطة. فحزب العدالة والتنمية حصد الأغلبية في الانتخابات المبكرة التي شهدتها البلاد، لكنها لم تكن أغلبية مطلقة الأمر الذي أدخله في لعبة التحالفات والحسابات المختلفة. ويتزامن هذا مع شروع المجلس التأسيسي في تونس بقيادة حركة النهضة التي تتمتع بالأغلبية، في تنفيذ المهام الملقاة على عاتقه لانتخاب رئيس جديد وتشكيل الحكومة وسط تجاذبات كثيرة بشأن آليات المرحلة القادمة واولياتها.

وتواجه تلك الأحزاب تحديات كثيرة فيما تبدأ قيادة عربة السلطتين التنفيذية والتشريعية، لا سيما أنها تحتاج الى الكثير من الموائمات مع القوى السياسية الأخرى، علاوة على تخوف شرائح من الرأي العام من مستقبل البلاد في ظل حكم الإسلاميين.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه رغم التجاذبات والشكوك التي يثيرها البعض، ما الذي دفع الناخب الى وضع الأحزاب ذات المرجعيات الإسلامية في سدة الحكم؟ دافني ماكردي الباحثة في مركز مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط بواشنطن والتي شاركت في مراقبة الانتخابات في كل من تونس والمغرب، أجابت عن هذا السؤال بالقول لراديو سوا: "أعتقد أنه وأكثر من أي شيء آخر أن السبب هو الرغبة في التغيير الحقيقي. ورغم اختلاف المشهد السياسي في كل من المغرب وتونس، أعتقد أن المواطنين يصوتون بعيدا عن المحسوبية والفساد ومشاكل الأنظمة السابقة، ويعطون صوتهم لحزب يعتقدون أنه سيوفر الشفافية والحكم الرشيد ويحسن الطريقة التي تُحكم بها البلاد".

وأعربت ماكردي عن اعتقادها بأن التوجه الإسلامي لتلك الأحزاب لم يكن بالضرورة الدافع وراء اختيار ممثليها: "في نفس الوقت لا أعتقد أن هذا كان بالضرورة الدافع الرئيسي وراء التصويت لتلك الأحزاب من قِبل كل مؤيديهم".

لكن سيدة الهمامي عضو المكتب التنفيذي في النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين رأت سببا آخر. وقالت الهمامي لراديو سوا: "صعود الإسلاميين في المنطقة ليست اعتباطيا وليس مسألة خاصة بالمنطقة العربية فقط، وإنما تتدخل فيه عدة عوامل أجنبية منها أن النظام العالمي الجديد هو من اختار الإسلاميين وسلم المنطقة لهم حتى يعيد تأسيس نفسه ويخلق متنفسات لأن الأطراف الإسلامية هي امتداد لهذه المنظومة وهي الأطراف الضامنة لاستمرار الاقتصاد الليبرالي في العالم".

وحدد محمد ظريف أستاذ العلوم السياسية عددا من الأسباب التي دفعت الناخبين الى التصويت لحزب العدالة والتنمية في المغرب. وقال ظريف لراديو سوا: "لأنه حزب منظم أكثر من الأحزاب الأخرى. ثانيا لأن وزارة الداخلية التزمت الحياد الإيجابي فلم يكون هناك تزوير للانتخابات. ثالثا الحزب تفادى أخطاء الأحزاب السياسية الأخرى التي حاولت استهدافه مما دفع الرأي العام للتعاطف معه. رابعا نسبة الامتناع عن التصويت التي تجاوزت 45 % إضافة إلى 20% من الأصوات الملغاة ساعدت حزب العدالة والتنمية على احتلال المرتبة الأولى لاسيما أنه يمتلك كتلة انتخابية منتظمة تصوت لصالحه باستمرار".

وفور إعلان النتائج واجهت تلك الأحزاب واقع اللعبة السياسية والتي بدأت بالمفاوضات مع القوى الأخرى لتشكيل ائتلاف الأغلبية. وقال ظريف في هذا الشأن: "أول تحدي يواجه الحزب بعد أن احتل المرتبة الأولى دون أن يحصل على أغلبية مطلقة، هو أنه في حاجة إلى التحالف مع أحزاب أخرى حتى يكمل النصاب القانوني الذي يسمح له بتشكيل الحكومة. ومنذ البداية طُرِحت العديد من الإشكاليات أمام الحزب. فقد كان يود تشكيل حكومة من أربعة أحزاب أي من حزب العدالة إضافة إلى أحزاب الكتلة الديمقراطية في المغرب وهي حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.

لكنه اضطر الآن للبحث عن حزب آخر بعدما قرر حزب الاتحاد الاشتراكي الالتحاق بالمعارضة".

وقالت دافني ماكردي الباحثة في مركز مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط إن عدد المقاعد التي فاز بها العدالة والتنمية تقيد صلاحياته لإجراء تغييرات جذرية: "إن قدرتهم على إجراء تغيير حقيقي مقيدة بسبب النظام الانتخابي. فرغم فوزهم بأغلبية المقاعد فما يمتلكونه الآن هو سبعة وعشرون بالمائة من مقاعد البرلمان، لذلك يتعين عليهم التحالف مع أحزاب أخرى".

مصطفى الرميد عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية أقر بوجود مشاكل تواجه حزبه لا سيما في الظروف الراهنة، لكنه أكد أن العدالة والتنمية نجح في تخطى أولى العقبات. وقال الرميد في تصريح لإذاعتنا: "أول تحدي كنا نواجهه هو تحديد حلفائنا في هذه المرحلة. الآن الخريطة واضحة فسنكون ضمن تحالف يضم العدالة والتنمية والاستقلال والتقدم والاشتراكية ومبدئيا الحركة الشعبية".

تلك الائتلافات سيكون لها ثمنها كما أوضح محمد ظريف أستاذ العلوم السياسية: "حتى وإن تمكن من تشكيل الحكومة فسيكون الأضعف فيها، بمعنى أن الأحزاب التي ستقبل بالمشاركة معه ستفرض شروطها. والآن تشترط الأحزاب التي قبلت التحالف مع العدالة والتنمية، الحصول على تدبير القطاعات الحكومية الاستراتيجية في المغرب.

ويجعل ذلك أداء حزب العدالة والتنمية رهينا بمدى تجاوب الأحزاب الأخرى التي يمكن أن تعرقل أداءه".

وأشار ظريف إلى أن الأمر قد يمتد إلى تعديل برنامج حزب الأغلبية: "حزب العدالة والتنمية يشمل مجموعة من الالتزامات تجاه الناخبين، اضطر إلى تعديل جزء من برنامجه كي يتوافق مع برامج الأحزاب الأخرى التي تشاركه في التحالف الحكومي الجديد".

لكن مصطفى الرميد القيادي في العدالة والتنمية شدد على تمسك الحزب بثوابت برنامجه: "أعتقد أن حزب العدالة والتنمية قدم للمواطنين برنامجا انتخابيا وعلى أساسه ضمن معطيات أخرى تم انتخابه. هذا يجعلنا نتمسك بأساسيات هذا البرنامج، وأساسيات هذا البرنامج هو محاربة الفساد والاستبداد. وهذا هو الأساس للبرنامج الذي ستوقع عليه الأغلبية المقبلة".

وتطرق محمد ظريف أستاذ العلوم السياسية إلى واقع آخر في المغرب يقيد حركة الإسلاميين في الحكومة والبرلمان: "لا أعتقد أن حزب العدالة والتنمية سيمارس سلطة تنفيذية كاملة تساعده على تطبيق برامجه مادام الملك يحتفظ بصلاحيات واسعة".

وقال مصطفى الرميد القيادي في العدالة والتنمية إن نجاح المرحلة القادمة يظل مرهونا بالتفاهم مع الملك: "نجاح المغرب في المرحلة المقبلة رهين بأن يكون هناك نوع من التوافق والتراضي بين الملك من جهة والحكومة من جهة ثانية".

ورغم اختلاف المشهد السياسي في تونس إلا أن التشابه يظل قائما في العديد من الأوجه، أبرزها حاجة حركة النهضة للتفاهم مع قوى المعارضة الأخرى. دافني ماكردي الباحثة في مركز مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط قالت إن تركيز النهضة الآن ينصب على التعاون مع الآخرين: "أعتقد أن حركة النهضة تعي جيدا أن شرائح أخرى من المجتمع لم تصوت لصالحها، وأن تلك الشرائح تعرب عن التشكك والقلق من هذه الحركة. وبالتالي فإن همها الرئيسي الآن هو التعاون مع الأحزاب الأخرى وإظهار قدرتها على الحكم بدلا من الدفع نحو تطبيق أجندات إسلامية بعينها".

وشدد سيدة الهمامي عضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين على ضرورة أن تتحلى حركة النهضة بالمرونة في المرحلة الراهنة: "حركة النهضة رغم أنها حصلت على الأغلبية عليها أن تكون لها تلك الأغلبية والليونة والمرونة مع القوى السياسية الأخرى في تونس التي لا تستطيع إلغاءها. وإلغاؤها سينتهي بنا إلى الوضع الذي انتهى به بن علي في فترة حكمه".

وأفاد لطفي زيتوني القيادي في النهضة بأنهم استطاعوا في الفترة الماضية التغلب على صعوبات تتعلق بالتفاهم مع شركاء الحركة في المجلس بشأن نظام الحكم وتوزيع الحقائب. وقال زيتوني لراديو سوا: "النهضة تتبنى نظاما برلمانيا بينما شريكاها في الائتلاف يتبنيان النظام الرئاسي المعدل أو نصف البرلماني. الحركة أرادت أن تمرر هذا التصور لكنها لقيت صعوبة مع شريكيها. ونحن الآن نطبق النظام المجلسي وهو نظام جيد.

وحركة النهضة تبدي مرونة في توزيع الحقائب الوزارية وتحاول أن تكون سخية في ذلك مع شريكيها في الائتلاف".

وفي المقابل، انتقدت سيدة الهمامي الصحفية التونسية أداء النهضة في هذا الشأن واستشهدت بالاحتجاجات التي شهدتها البلاد في الأيام الماضية: "النهضة منذ البداية وبعد كتابة هذا النص بينت انقلابا جذريا بين خطابها وما تقوم به في الواقع. فتجريد رئيس الجمهورية من كافة مهامه مسألة خطيرة، لذلك هناك ردة فعل من منظمات المجتمع المدني ومن أحزاب أخرى. نستطيع أن نقول إنها ردة فعل من الشارع التونسي لأن العديد من المواطنين عبروا عن ندمهم بعد التصويت لصالح حزب النهضة والتحقوا بما يسمى اعتصام بردو واحد أمام مقر المجلس التأسيسي".

لكن لطفي زيتوني القيادي في النهضة اتهم جهات لم يسمها بمحاولة زعزعة الاستقرار: "يخشى أن تكون هناك بعض الجهات التي تريد أن تقع أجواء من الاضطراب الاجتماعي ومن تعطل مصالح المواطنين حتى يسجل على الحكومة الجديدة".

النهضة والعدالة والتنمية يقودان السلطتين التنفيذية والتشريعية لأول مرة وهو ما يطرح تساؤلات بشأن خبرتهما في هذا الشأن. فهل يمكن أن تنهار حكومة الحزبين قبل انقضاء مدتها؟ وهل يمكن أن يتكرر سيناريو الجزائر عندما وصل الإسلاميون لسدة الحكم؟ محمد ظريف أستاذ العلوم السياسية قال إن هذا الأمر وارد في المغرب: "كل الاحتمالات واردة. فمجرد الإعلان عن فوز حزب العدالة والتنمية تحدثت بعض قيادات الحزب عن إمكانية عدم إكماله المدة وهي خمس سنوات لأنه بإمكان الملك أن يحل البرلمان".

وأكد مصطفى الرميد عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية أن نجاحهم يظل مرهونا بعدة عوامل: "هل سنوفق أما لا؟ هذا رهين بمدى إرادة كافة الإطارات الاساسية في البلاد بأن تنجح المرحلة الحالة وأن تؤسس لمغرب جديد. هذا سيتطلب مجهودا كبيرا وتضحيات من جميع الأطراف".

وفي تونس، قالت سيدة الهمامي الصحفية التونسية إن النهضة والقوى الإسلامية الأخرى في تونس رغم حظرها في السنوات الماضية إلا أنها تمتلك الخبرة الكافية: "حركة النهضة وحزب التحرير هما حزبان عريقان. كما أن السلفيين موجودون منذ فترة حكم بن علي لكنهم كانوا مختبيئن في خلايا سرية نائمة خرجت للنور بعد 14 يناير".

واستبعد لطفي زيتوني القيادي في النهضة الفشل مشيرا إلى ما وصفه بالنجاحات التي تحققت في الفترة الماضية.

دافني ماكردي الباحثة في مركز مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط شددت على أن الإسلاميين يحاولون تجنب تكرار اي نماذج فاشلة سابقة: "أعتقد أن هذا الأمر يدور في ذهن كل من حركة النهضة وحزب العدالة والتنمية، لذلك فهما يتبنيان منهجا تصالحيا للحكم لأنهما يعيان أنهما إذا حاولا الهيمنة على نظام الحكم فإن ذلك سيؤدي إلى نشوب صراع".

ورغم ذلك تظل هناك بعض من يبدي تخوفات من سيطرة الإسلاميين على الأغلبية، وهو ما رد عليه لطفي زيتوني القيادي في النهضة بالقول إن الاحزاب ذات المرجعيات الإسلامية تسعى للحكم في إطار من التوافق: "يجب أن نعترف بأن تلك المخاوف لها ما يبررها، فالإسلاميون كانوا مطارَدين وبعيدين عن الحكم. وكانوا يتعرضون للتشويه. هناك مشاكل في هذه البلدان أدت لحدوث ثورات والآن الشعوب قررت البدء من جديد وإعطاء فرصة للناس الذين كانوا مقصون من السياسة والاعتراف القانوني. الذي يحدث في تونس والمغرب أن هؤلاء القادمين الجدد واعون بجملة المشاكل والتحديات التي تواجههم وتواجه بلدانهم فيريدون أن يحكموا في إطار من التوافق".

كما وصف مصطفى الرميد القيادي في العدالة والتنمية، حزبه بالاعتدال: "ينبغي أن نكون واضحين. ثانيا أن هذا الاختيار وبالنظر إلى النظام الانتخابي لا يمنح أي حركة شعبية مهما كانت قوتها الأغلبية، هذا النظام لن يعطينا الأغلبية المطلقة بل سيكون هناك شركاء آخرون. ثالثا هناك الملك الذي يلعب دورا تحكيميا. رابعا نحن كنا ومازلنا حزبا سياسيا ذا مرجعية إسلامية، لكننا نمارس دورنا باعتدال ووسطية".

علاوة على ذلك فإن المخاوف من صعود الإسلاميين لا تبدو كبيرة لدى الولايات المتحدة ودول الغرب، وهو ما أوضحته دافني ماكردي الباحثة في مركز مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط: "لقد تبنت الولايات المتحدة موقفا إيجابيا. فقد اعترفت بشرعية تلك الانتخابات التي كانت حرة ونزيهة. وقالت إنها ملتزمة بالتعاون مع تلك الأحزاب ما دامت ملتزمة بقواعد الديمقراطية".
XS
SM
MD
LG