Accessibility links

السيستاني يناشد الأطراف السياسية والدينية والعشائرية العمل على وقف مسلسل العنف في العراق


ناشد المرجع الديني الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني الخميس "المخلصين الحريصين على وحدة البلد والقادة السياسيين والدينيين وزعماء العشائر بذل الجهود لوقف مسلسل العنف"، محذرا من أن استمراره "سيعيق تحقق آمال الشعب في التحرر والاستقرار".

وحذر السيستاني من "الخطر المحدق بالعراقيين" ودعاهم إلى "تداركه والعمل على الوحدة الوطنية".

وفيما يلي النص الكامل للبيان الصادر عن السيد علي السيستاني


بسم الله الرحمن الرحيم


قال الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً).
صدق الله العلي العظيم

بقلبِ يعتصر حزناً وألماً أتابع أنباء ما يتعرض له أبناء الشعب العراقي المظلوم يوميّاً من مآسٍ واعتداءات: ترويعاً وتهجيراً، خطفاً وقتلاً وتمثيلاً، ممّا تعجز الكلمات عن وصف بشاعتها وفظاعتها ومدى مجافاتها لكل القيم الإنسانية والدينية والوطنية. ولقد كنت ـ ومنذ الأيام الأولى للاحتلال ـ حريصاً على أن يتجاوز العراقيون هذه الحقبة العصيبة من تاريخهم من دون الوقوع في شرك الفتنة الطائفية والعرقية، مدركاً عظم الخطر الذي يهدد وحدة هذا الشعب وتماسك نسيجه الوطني في هذه المرحلة، نتيجة لتراكمات الماضي ومخططات الغرباء الذين يتربصون به دوائر السوء ولعوامل أخرى .

وقد أمكن بتضافر جهود الطيبين وصبر المؤمنين وأناتهم تفادي الانزلاق إلى مهاوي الفتنة الطائفية لأزيد من سنتين، بالرغم من كل الفجائع التي تعرض لها عشرات الآلاف من الأبرياء على أساس هويتهم المذهبية.
ولكن لم ييأس الأعداء وجدّوا في تنفيذ خططهم لتفتيت هذا الوطن بتعميق هوة الخلاف بين أبنائه، وأعانهم ـ وللأسف ـ بعض أهل الدار على ذلك، حتى وقعت الكارثة الكبرى بتفجير مرقد الإمامين العسكريين عليهما السلام، وآل الأمر إلى ما نشهده اليوم من عنف أعمى يضرب البلد في كل مكان ـ ولاسيّما في بغداد العزيزة ـ ويفتك بأبنائه تحت عناوين مختلفة وذرائع زائفة، ولا رادع ولا مانع. إنني أكرر اليوم ندائي إلى جميع أبناء العراق الغيارى من مختلف الطوائف والقوميات بأن يعوا حجم الخطر الذي يهدد مستقبل بلدهم، ويتكاتفوا في مواجهته بنبذ الكراهية والعنف واستبدالهما بالمحبة والحوار السلمي لحل كافة المشاكل والخلافات.


كما أناشد كل المخلصين الحريصين على وحدة هذا البلد ومستقبل أبنائه من أصحاب الرأي والفكر والقادة الدينيين والسياسيين وزعماء العشائر وغيرهم بأن يبذلوا قصارى جهودهم في سبيل وقف هذا المسلسل الدامي الذي لو استمر ـ كما يريده الأعداء ـ فلسوف يلحق أبلغ الضرر بوحدة هذا الشعب ويعيق لأمد بعيد تحقق آماله في التحرر والاستقرار والتقدم. وأذكر الذين يستبيحون دماء المسلمين ويسترخصون نفوس الأبرياء لانتماءاتهم الطائفية بقول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله في حجة الوداع:
(ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا ليبلغ الشاهد الغائب) وبقوله صلّى الله عليه وآله: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقد حقن ماله ودمه إلاّ بحقهما وحسابه على الله عزّ وجلّ)،
وبقوله صلّى الله عليه وآله: (من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقى الله عزّ وجلّ يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله ).


وأخاطب الذين يستهدفون المدنيين العزل والمواطنين المسالمين بما قاله أبو عبد الله الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء مخاطباً من راموا الهجوم على حرمه: (إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً فى دنياكم وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون..) إن(النساء ليس عليهن جناح)، فما بالكم تستهدفون أناساً لا دور لهم في كل ما يجري من الشيوخ والنساء والأطفال وحتى طلاب الجامعات وعمال المصانع وموظفي الدوائر الحكومية واضرابهم؟ إن لم يكن يردعكم عن ذلك دين تدّعونه أفلا تصدكم عنه إنسانية تظهرون في لبوسها؟
وأقول لمن يتعرضون بالسوء والأذى للمواطنين غير المسلمين من المسيحيين والصابئة وغيرهم أما سمعتم أن أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام بلغه أن إمرأة غير مسلمة تعرض لها بعض من يدعون الإسلام وأرادوا انتزاع حليّها فقال عليه السلام: (لو أنّ امرءاً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان به عندي جديراً) فلماذا تسيئون إلى إخوانكم في الإنسانية وشركائكم في الوطن؟

أيّها العراقيون الأعزاء .. إن الخروج من المأزق الذي يمرّ به العراق في الظروف الراهنة يتطلب قراراً من كلّ الفرقاء برعاية حرمة دم العراقي أيّاً كان ووقف العنف المتقابل بكافة أشكاله، لتغيب بذلك ـ وإلى الأبد إن شاء الله تعالى ـ مشاهد السيارات المفخخة والإعدامات العشوائية في الشوارع وحملات التهجير القسري ونحوها من الصور المأساوية، وتستبدل ـ بالتعاون مع الحكومة الوطنية المنتخبة ـ بمشاهد الحوار البناء لحلّ الأزمات والخلافات العالقة على أساس القسط والعدل، والمساواة بين جميع أبناء هذا الوطن في الحقوق والواجبات، بعيداً عن النزعات التسلطية والتحكم الطائفي والعرقي، على أمل أن يكون ذلك مدخلاً لاستعادة العراقيين السيادة الكاملة على بلدهم ويمهّد لغدٍ أفضل ينعمون فيه بالأمن والاستقرار والرقي والتقدم بعون الله تبارك وتعالى. وفقّ الله الجميع لما يحبّ ويرضى

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

XS
SM
MD
LG