Accessibility links

logo-print

مستقبل العلاقات الأميركية العراقية وعلاقات الجوار


دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق مرحلة جديدة. ففي اليوم الأول لعام ألفين واثني عشر لن يكون هناك جندي أميركي على الأراضي العراقية، لتبدأ علاقة مبنية على الدبلوماسية بعد انتهاء الوجود العسكري الأميركي هناك.

الرئيس باراك أوباما شدد على أهمية الشراكة بين واشنطن وبغداد بالقول: "يجب أن يعلم الشعب العراقي أنه لن يكون بمفرده. فستكون الولايات المتحدة شريكا قويا لكم دائما".

كما أكد نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي على أهمية إنجاح العلاقات بين الجانبين في مختلف المجالات.

ذلك التعاون متعدد الأوجه تحدث عنه آرون سنايب المتحدث باسم مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأميركية قائلا في مقابلة خاصة مع برنامج المنطقة الحرة أجره معه مراسلنا في واشنطن سمير نادر: "أي علاقة ستنقل بلدينا نحو المستقبل يجب أن تُؤسَس على أمور تتخطى مسألة الأمن أو محاربة الإرهاب. يجب أن تكون قائمة على التعاون السياسي والاقتصادي والزراعي والتعاون في العلوم والتعليم إلى جانب التعاون الاجتماعي. ولهذا السبب لدينا اتفاقية الإطار الاستراتيجي".

وأفاد عزت الشابندر عضو ائتلاف دولة القانون الذي يقوده رئيس الوزراء العراقي، بأن اللقاء الأخير في واشنطن بين المالكي وأوباما كان خير دليل على رغبة الجانبين في تعزيز تلك العلاقات. وأضاف الشابندر للمنطقة الحرة قائلا: "جاء هذا اللقاء ليؤكد الزعيمان فيه أن اتفاقية الإطار مازالت حاضرة، والعراق مازال يؤمن بإقامة علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة. ونرى أن الإدارة الأميركية لديها نفس الإيمان. فالجزء الأول من العقد تحقق باكتمال الانسحاب، والجزء الثاني هو بناء علاقات استراتيجية على المستويات المختلفة".

أما محمود عثمان القيادي في التحالف الكردستاني فقال إنه حان الوقت لبناء علاقات قائمة على الندّية وتجاوز أخطاء الماضي. واستطرد قائلا للمنطقة الحرة: "يمكن أن تتطور العلاقات بعض الشيء. تجربة الولايات المتحدة في العراق كانت فاشلة، فلم يستطيعوا كسب العراقيين أو تأسيس علاقات قوية مع العراق واكتفت بالبقاء وراء الأسوار. أما الآن بعد الانسحاب يمكن أن تتطور هذه العلاقات إذا تم تطبيق اتفاقية الإطار بين العراق والولايات المتحدة كبلدين في إطار علاقة الند للند".

وأوضح سعد الحديثي المحلل السياسي العراقي أن تغييرا سيطرأ على شكل العلاقات بين البلدين. وقال للمنطقة الحرة: "الأمر المؤكد أن العلاقة بين الجانبين لن تكون بالصورة التي كانت عليها قبل الانسحاب الأميركي. كان الدور الأميركي طوال الفترة المنصرمة دور الراعي والداعم وربما الذي يشكل سقفا للخلافات السياسية وربما الإطفائي الذي يطفئ حرائق الأزمات العديدة التي غالبا ما تندلع داخل العراق. لكن ذلك الدور لم يعد قائما".

ونبه الحديثي إلى أن خلافات في وجهات النظر بين واشنطن وبغداد ستظهر بصورة أوضح على مدار السنوات القادمة: "أعتقد أن هذا الأمر لن يظهر بصورة واضحة سريعا، بل نحن نتحدث عن ثلاث أو أربع سنوات. أعتقد أن المواقف التي كانت تتوارى وراء الأقنعة سيكشف عنها بشكل صريح في الفترة المقبلة".

ولعل أبرز تلك الخلافات التي رُصِدت في الأشهر الماضية بل وخلال زيارة المالكي لواشنطن، موقف الجانبين من الأزمة السورية. بيد أن آرون سنايب المتحدث باسم مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأميركية أعرب عن تفهمه لتلك الاختلافات: "كيف يتعاملون مع سورية؟ هذا قرارهم. نحن ندرك الحقائق بشأن موقف العراق فهو جار لسورية. وبالتالي فالموقف حرج ونحن ندرك ذلك. لكننا واثقون من أن رئيس الوزراء المالكي وحكومة العراق والشعب العراقي يعتقدون أن العنف يجب أن يتوقف في سورية".

وحدد عزت الشابندر عضو ائتلاف دولة القانون نقطة الاختلاف مع الأميركيين في هذا الشأن قائلا: "نحن نختلف مع الولايات المتحدة في آلية التغيير، كما نختلف مع دول عربية أخرى. نحن نؤمن بأن التغيير بما أنه ينشد الاستقرار والديمقراطية فلابد أن تكون آلية الوصول إلى هذا في سورية منسجمة مع الهدف وما يتوق الشعب السوري للوصول إليه دون إراقة دماء".

لكن الشابندر حذر من مغبة أي تحرك مغاير إزاء الأزمة السورية وانعكاساته على العلاقات مع الولايات المتحدة: "إذا كانت آلية التغيير هي نفس ما جرى في ليبيا أو العراق أو ما يجري في اليمن الآن، لا أعتقد أن هناك علاقة ستبقى في موقعها بين مختلف مكونات المنطقة أو بين المنطقة والولايات المتحدة".

وقال سعد الحديثي المحلل السياسي العراقي إن تطور الأزمة في سورية نحو تدخل خارجي صريح قد يدفع بغداد إلى دعم النظام هناك: "إذا وصلت الأمور في سورية إلى نقطة اللاعودة فأعتقد أنه على الأقل ستكون الأرض العراقية معبرا لدعم يقدم للقيادة السورية بشكل أو بآخر. أعتقد أن هذا أمر مقلق بالنسبة للإدارة الأميركية".

وتطرق محمود عثمان القيادي في التحالف الكردستاني إلى السبب الذي ربما يدفع حكومة بغداد لاتخاذ هذا الموقف، مشيرا إلى بعد آخر ينعكس على العراق إذا تفاقمت الأزمة في سورية: "العلاقات العراقية الإيرانية مهمة في هذا المجال وتؤثر على الموقف العراقي. إذا سقط النظام السوري ستكون ضربة كبيرة لإيران، وأعتقد عندها ستحاول أن تثبت أقدامها في العراق، كما ستحاول تركيا أن تثبت أقدامها في سورية وقسم من العراق. فسنرى صراع تركي إيراني أو سني شيعي".

إذاً هناك من يخشى من امتداد النفوذ الإيراني بعد الانسحاب الأميركي. مارينا أوتاواي خبيرة شؤون الشرق الأوسط في معهد كارنيجي للسلام الدولي رأت أن محاولات ممارسة النفوذ الإيراني تستهدف بالأساس عناصر داخل الحكومة وليس المالكي. وأضافت للمنطقة الحرة قائلة: "لا أعتقد أن النفوذ الإيراني يستهدف رئيس الوزراء المالكي بشكل مباشر. لكن الأمر يتعلق بعلاقة بعض أعضاء الحكومة بإيران. المشكلة الحقيقية التي تواجه المالكي هو أنه يحاول أن يكون على الحياد بين الولايات المتحدة وإيران. لكن ليس من الواضح ما إذا كان بعض أفراد الائتلاف الحاكم سيسمحون له بالمحافظة على هذا الحياد والإبقاء على علاقات جيدة مع كل إيران والولايات المتحدة".

لكن عزت الشابندر استبعد هذا الأمر برمته: "لا خوف على العراق من إيران لأن العراق محصن تاريخيا واجتماعيا وثقافيا من أي اختراق إيراني محتمل أو يتوقعه المراقبون أو يحاول أن يثيره البعض".

أما آرون سنايب المتحدث باسم مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأميركية فشدد على أن الشعب العراقي لا يريد أي تدخل خارجي: "لن يكون الأمر مثيرا للاستغراب فيما لو حاول الإيرانيون توسيع نفوذهم بصورة سلبية. إنه شيء فعلوه من قبل ليس في العراق فحسب بل في لبنان ودول أخرى. ولكنني أعتقد أن الشيء الذي سيكون بمثابة حاجز أو حائط يصد هذا النفوذ هو الشعب العراقي. العراقيون لا يريدون أي تدخل خارجي".

لكن سعد الحديثي المحلل السياسي قال إن شيئا لن يتغير لأن النفوذ الإيراني موجود بالفعل: "لا أعتقد أن هذا النفوذ سيتأثر سلبا أو إيجابيا بالانسحاب الأميركي طالما أنه كان موجودا بقوة. لا أعتقد أنه سيأخذ مدى أوسع مما كان عليه لأن كان يعمل بشكل واضح ومكشوف في العراق".

وألمح الحديثي إلى أن ما سيبدو جليا في المرحلة المقبلة هو مساندة طهران بعض القوى السياسية وهو ما يلقي بظلال ثقيلة على المشهد الداخلي والمنطقة بأسرها: "النفوذ الإيراني سيحاول بكل تأكيد التأثير في الصراع السياسي الداخلي في العراقي. والدعم الإيراني سينصب باتجاه بعض الأطراف العراقية لتحقيق نقاط تفوق على منافسيها السياسيين. وهذا الأمر ستكون له تداعيات على بعض دول الجوار العراقي".

ولكن ماذا عن الدور التركي؟ يجيب الحديثي عن هذا السؤال قائلا: "تركيا تحاول دخول العراق من الجانب الاستثماري والاقتصادي. لم يكن لها نفوذ سياسي كما هو الحال بالنسبة لإيران. ولم يكن لها أي وجود أمني في الأراضي العراقية. لكنها تتمع بحجم تبادل تجاري كبير مع العراق".

وتبنى عزت الشابندر عضو ائتلاف دولة القانون رأيا مغايرا بشأن قضية تدخل دول الجوار: ما يسمى بالربيع العربي ونحن نسميه بالخريف العربي، مخطط للعراق أن يكون جزءً من هذا الربيع. نحن لن يخفى علينا في الحقيقة طبيعة التدخل من بعض القوى والأطراف سواء كانت عربية أو إقليمية، ومحاولاتها أن يكون هذا العراق الصاعدة جزء من هذا الخريف".

ونبه محمود عثمان عضو التحالف الكردستاني إلى أهمية وحدة الصف العراقي لمواجهة أي تدخل، لكنه أعرب عن أسفه لعدم وجود إرادة حقيقية لتجاوز الخلافات بين المكونات السياسية المختلفة: "للأسف لا توجد إرادة حقيقية للتغلب على ذلك. أعتقد أن علاقات هذه الكتل مع دول الجوار تؤثر على أن تبتعد هذه الكتل عن بعضها البعض. علي أي حال هم أمام امتحان صعب".

وقال سعد الحديثي المحلل السياسي العراقي إن بلاده أمام مرحلة حرجة في العامين المقبلين بسبب كل هذه العناصر التي تشكل المشهد السياسي: "العراق سوف يمر بمرحلة هي الأحرج في تاريخه الحديث. نحن نتحدث عن عامين مقبلين أعتقد أنهما سيشكلان خارطة طريق لمستقبل العراق السياسي. فالعملية السياسية ستستمر على وضعها الحالي. إذا استطاع الفرقاء العراقيون تجاوز الخلافات الجذرية التي لم يستطيعوا أن يحلوا أي منها في وجود الراعي الأميركي فما بالك بعد رحيل هذا الراعي. أعتقد أن المهمة ستكون أصعب بكثير".

وعول عزت الشابندر عضو ائتلاف دولة القانون على وعي العراقيين لتجاوز كل المصاعب المحيطة بهم. ولكن إلى أي مدى يمكن أن ينعكس الانسحاب والتفاعلات السياسية على نشاط الجماعات المسلحة داخل العراق؟ محمود عثمان عضو التحالف الكردستاني قال في هذا الشأن: "قد تنشط هذه الجماعات. وقسم منها ليس بالعملية السياسية. أعتقد أن نشاط هذه الجماعات يعتمد على سياسات إيران بشكل كبير. فإذا كانت العلاقات العراقية الإيرانية جيدة فلن تنشط هذه الجماعات. أما الجماعات الأخرى كالقاعدة والبعث فهي موجودة ونشيطة ولا أعتقد أنها تتأثر بعلاقات الدول".

وربط عزت الشابندر عضو ائتلاف دولة القانون بين تلك الجماعات المسلحة وقوى خارجية: "القوى التي تحرك الربيع العربي هي نفسها التي تعيش أفضل علاقات الدعم مع قوى الإرهاب والجماعات المسلحة والعنيفة في العراق. وتحاول أن تحييها من جديد".

وقال سعد الحديثي المحلل السياسي إن بعض تلك التنظيمات ستحاول استعادة قدراتها في الفترة القادمة: "أعتقد أن العنف التي تنتجه هذه القوى لن يكون مختلفا إلى حد بعيد عما هو موجود الآن على أرض الواقع. معظم هذه الجماعات لم تقم بنشاط كبير في العامين الماضيين. أعتقد أن الانسحاب الأميركي لن يؤثر كثيرا في تصعيد العمليات".

ونبه الحديثي إلى نوع آخر من النشاط المسلح الذي يهدد أمن العراق والمنطقة: "بالنسبة للجماعات التي تدعمها إيران، الخطير في الأمر هو أنه إذا انفلت عقال الخلاف السياسي - وهو أمر يمكن أن يحدث في أي وقت لأن الملفات العالقة بين القوى السياسية ما زالت قائمة، ,فإذا ما وصلت الخلافات السياسية إلى نقطة اللاعودة فإنها قد تغذي العنف بشكل أو بآخر وهذا هو الخطير في الأمر الذي قد يفتح مسارات خطيرة في اتجاه مستقبل العراق السياسي".

وقالت مارينا أوتاواي الخبيرة بشؤون الشرق الأوسط في معهد كارنيجي للسلام الدولي إن زيادة الأعمال الإرهابية مرتبط بالتطورات السياسية داخل العراق: "هل سنرى المزيد من هذه الهجمات أم لا؟ أعتقد أن هذا الأمر يتوقف على كيفية تطور العلاقات السياسية داخل العراق. وتبدو الأمور غير واضحة حتى الآن".

XS
SM
MD
LG