Accessibility links

التعايش الطائفي في "قضاء بلد" سقط في لحظات التدهور الأمني


عرضت صحيفة أميركية بارزة للأوضاع الأمنية المتدهورة في قضاء بلد الذي يشهد معارك طائفية أطاحت كلمح البصر بحالة التعايش القديمة بين سكانها السنة والشيعة.
ورأت صحيفة واشنطن بوست أن هجمات مسلحة شنتها ميليشيا شيعية استهدفت إخراج السنة من بلد، انتهت إلى تطويقها من قبل جماعات سنية مسلحة تتواجد في المناطق المحيطة بالقضاء الملتهب.
في منتصف الأسبوع الماضي طوق قادة شيعة في وزارة الداخلية تساندهم ميليشيا شيعية مسلحة مدينة بلد في محاولة لوقف أعمال العنف الانتقامية التي اجتاحتها، لكنهم لم يفعلوا شيئا سوى طرد السنة منها، بحسب الصحيفة الأميركية.
في المقابل، تدفق مسلحون سنة من مناطق قريبة ورابطوا على الطريق العام في سيارات "الفان" و"البيك اب"، بينما تجمع أبناء جلدتهم في المدينة على أسطح المنازل، أو وقفوا صفا على الطريق العام المحيط ببلد وهم يراقبون عن بعد تحرك القوات الشيعية وهلع المدنيين الذين يمرون بالقرب منها.
ويلفت تحقيق الصحيفة إلى أن ما أوقع هذه المدينة، الواقعة على نهر الفرات شمال بغداد، في شراك الحصار سلسلة من الأحداث التي وقعت فيها حتى أصبحت صورة مصغرة لعمليات الثأر والانتقام بين السنة والشيعة التي تجتاح العراق.
ونقلت الواشنطن بوست عن مواطنين وعناصر شرطة أن هناك أكثر من 20 ألف عسكري أميركي يتمركزون على بعد 15 ميلا فقط، لكنهم لا يعرفون كيفية التصرف إزاء ما يحصل بانتظار تدخل القوات الحكومية.
الصحيفة الأميركية تنقل عن مواطن شيعي من أهالي بلد فرّ من منزله في ضواحي القضاء الدامي، قال إن على سكان القضاء ألا يقتلوا إخوانهم السنة الموجودين معهم، لافتا إلى أن العلاقات بين الشيعة والسنة في بلد ليست وليدة اليوم، بل هي قديمة قدم الأزل، لكنها تحطمت في ثوان قليلة.
المسؤولون الأميركيون والعراقيون يرون أن الحدث الذي أشعل فتيل الفتنة كان مقتل رجلين أو ثلاثة من السنة في المنطقة في وقت سابق من الشهر الجاري. ويوضح الناطق باسم القوات الأميركية الجنرال وليام كالدويل أن احد القتلى كان قائدا محليا لتنظيم القاعدة في المنطقة.
وفي الـ13 من الشهر الحالي تمكن مسلحون سنة من الانتقام له ، إذ تمكنوا من اختطاف وذبح 17 عاملا شيعيا في بلدة الضلوعية القريبة من بلد كانوا عائدين من عملهم في بساتين النخيل. وقد نجحت القوات الأميركية في اعتقال اثنين من ضباط الشرطة السنة في البلدة للاشتباه بضلوعهم في الحادث.
ويشير تحقيق واشنطن بوست نقلا عن ضابط شرطة الضلوعية حسين علوان إلى أن مقاتلي القاعدة حرضوا على عملية القتل. ثم أعلنوا أن مواطنين سنة أبرياء قتلوا خلال عمليات انتقامية.
وتنقل الصحيفة عن رجل الدين الشيعي تيسير الموسوي أن شخصيات شيعية في بلد اتصلت بمكتب الصدر في الكاظمية بعد ساعات من ذبح العمال الشيعة، وطلبت حماية جيش المهدي لشيعة بلد والانتقام للمذبوحين منهم.
وبحسب عمار جودة الموسوي الناطق باسم جيش المهدي في بغداد فان فرع جيش المهدي في الكاظمية استجاب للطلب من أجل حماية شيعة بلد من السلفيين الذين يريدون قتل أتباع أهل بيت الرسول كما قال.
وهكذا استقل عناصر جيش المهدي وهم يرتدون ملابسهم العادية حافلتين وتوجهوا إلى بلد، كما يروي الموسوي، الذي أشار إلى أن هذه القوة وصلت المدينة في وقت مبكر من يوم الـ14من الشهر الجاري فتجمعت القوات الشيعية في بلد وقررت التخلص من السكان السنة.
العملية بدأت بتحذيرات دوت من مكبرات جامع بلد وهي تطلب من سنة القضاء مغادرته في غضون 48 ساعة. وبحسب الشرطة والمواطنين، فقد انتشر مسلحو جيش المهدي في شوارع بلد، حيث يقول أهالي المدينة إن البعض منهم كان بملابسه العسكرية والبعض الآخر بملابسه المدنية وأقاموا نقاط تفتيش كانت تستجوب ركاب السيارات المارة إن كانوا من الشيعة أم السنة.
ويروي التحقيق عن أم مصطفى وهي طبيبة أسنان من بلد تبلغ من العمر 37 عاما، أنها فقدت زوجها عند إحدى نقاط التفتيش التي أقامها مسلحون يرتدون الملابس السوداء، عندما كانت عائلتها السنية المؤلفة من زوجها وطفليها تحاول الهرب من المدينة عند الساعة السابعة صباحا من يوم الأحد.
وتتذكر الدكتورة أم مصطفى ما حصل بالضبط عند نقطة التفتيش فتقول: إن رجلا ملثما فيها أبلغ المسلحين الذين كانوا معه بان زوجها سني وخدم كضابط في جيش الرئيس السابق صدام حسين. فما كان منهم إلا أن انهالوا عليه ضربا بمؤخرة البنادق. وبينما كان زوجها يستحلفهم بالله كي يخلوا سبيله، لم يجد جوابا منهم سوى اتهامه بأنه "كافر" ثم وضعوه في سيارة بيضاء واقتادوه إلى حيث لا تعلم.
وفي اليوم التالي عثرت أم مصطفى، التي تعيش اليوم في ملجأ لمشرّدي بلد مع طفليها، على جثة زوجها عند الطب العدلي.
ومع غروب يوم السبت علمت القوات الأميركية بالمجزرة التي حصلت في بلد فأرسلت وحدة عسكرية لوضع حد لما يحدث هناك.
وطلب الضباط الشيعة من الأميركيين المعونة الاستخبارية. وقال كالدويل انه لا يعرف إن كانت القوة الأميركية تدخلت أم لا، لكنه أكد أن الأميركيين تلقوا الأحد تقريرا يفيد بأن عدد الذين قتلوا في بلد بلغ 57.
وبحلول يوم الثلاثاء وصل عدد الجثث التي تسلمها الطب العدلي في القضاء إلى 80 جثة معظمها لمواطنين سنة أطلقت عليهم النار وتعرضوا للتعذيب.
وبعد مرور 48 ساعة على الهجوم على السنة طلبت الحكومة من الفوج الثالث في الفرقة الرابعة التحرك إلى بلد.
وتنقل واشنطن بوست عن بعض من سكان بلد أن وحدات الجيش، الذي يقوده عسكريون من السنة والكرد ، تمكنت من ضبط الوضع الأمني ووقف أعمال العنف في وقت لم يبق في قضاء بلد إلا القليل من السنة الذين يعيشون في ظروف صعبة.
وإذ خف العنف داخل البلد فان أهاليها يعانون من حصار مسلح من الخارج فرضته جماعات سنية مسلحة تمنع المؤن الغذائية من الدخول إليها، مما يهدد حياة سكان هذا القضاء.
واشنطن بوست نقلت عن بعض المتمردين السنة قولهم إن بلد تدفع الآن فاتورة ما حصل وأكدوا أنهم سيقتلون كل من يدخل القضاء المحاصر وكل من يخرج منه.
XS
SM
MD
LG