Accessibility links

القوة الجوية العراقية: عودة الى الاجواء رغم كل المعوقات


نشرت صحيفة نيويوك تايمز تقريرا في عددها الصادر اليوم الاثنين عن الظروف التي تكتنف إعادة تأسيس القوات الجوية العراقية.
بدأ التقرير بوصف مشهد إقلاع مروحية روسية الصنع من قاعدة التاجي العسكرية وهي تزدهي بالراية العراقية المرسومة على جناحها، يقودها طيار عراقي حط بها بسلام بعد قليل على أرضية من الحشيش الاخضر على ضفة نهر دجلة.
ويعتبر هذا الاقلاع والهبوط خبرا اقل من عادي في الكثير من انحاء العالم، أما في العراق فهو يعني الكثير، أنه إعلان عن عودة القوة الجوية العراقية مرة أخرى بعد اربع سنوات عجاف من الانتظار.
ولكن مثل باقي المشاريع المتعلقة بتجهيز واعداد القوات العسكرية الجديدة، فان اعادة تشكيل سلاح الجو العراقي يكتنفه الكثير من الغموض والالتباس .
يقول مراسل صحيفة نيويورك تايمز جيمس غلانز ان لاشيء يدعو للحيرة والدهشة أكثر من هذا الامر، فالقوة الجوية العراقية الان هي عبارة عن أربع مروحيات روسية الصنع نوع MI-17 ، لايسمح لها بالطيران إلا فوق قاعدة التاجي العسكرية ولاغراض التدريب فقط.
وكانت الحكومة العراقية قد قررت شراء أسطول من المروحيات الروسية الصنع من بولندا كجزء من صفقة تقدر بـ400 مليون دولار بين عامي 2004 و2005 والتي اتضح فيما بعد انها صفقة شابها الكثير من الفساد الاداري والمالي .
يقول الفريق ركن طيار نصير العبادي نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش العراقي، في لقاء مع مراسل الصحيفة في بغداد، ان هذه اسوأ صفقة يمكن تخيلها، فمعظم المروحيات التي تم استلامها كان قد انتهى عمرها الافتراضي منذ اكثر من ربع قرن ولم تعد صالحة للطيران.
هذه الصفقة التي سببت احراجا كبيرا للحكومتين الاميركية والعراقية بعد الكشف عن تفاصيلها، أعقبها تطور مثير آخر، كشف تفاصيله الفريق عبادي بالقول ان مفاوضات لاحقة للحكومة العراقية اسفرت عن ترتيبات ستؤدي الى وصول 28 مروحية روسية "جديدة" نوع MI-17 والأربع مروحيات التي يتدرب عليها الطيارون في قاعدة التاجي شمال بغداد حاليا، هي جزء من هذه الصفقة الجديدة.
والسبب وراء الاستخدام المحدود والمقيد لهذه المروحيات يعود الى القيود المفروضة على القوات العراقية التي لاتستطيع حتى الان شراء معدات فنية معينة تؤهل المروحية للقيام بدورها القتالي.
وقد أدى فشل الحكومة في عدم تجهيز المروحيات بالمعدات اللازمة الى اصابة القادة العسكريين الاميركيين بالاحباط والحيرة. و
يقول الكولونيل دان غروسكن: "إن هذا أمر مؤلم، فالطيارون العراقيون يتحرقون شوقا للقيام بطلعات جوية وأداء واجباتهم العسكرية ".
وتمضي الصحيفة إلى القول بأن القوة الجوية العراقية كانت تتألف من نحو 500 طائرة عسكرية، لكنها لا تملك الان سوى 20 طائرة، وبالكاد ناقش الأميركيون مع العراقيين مسالة إعادة بناء هذه القوة لان التركيز الاكبر كان على قوات الجيش والشرطة .
وهكذا فالعراقيون لايملكون الان أي طائرات مقاتلة ولا يتوقع ان يحصلوا على أي منها قريبا، لان الطرف الاميركي هو الذي سيتولى عملية اعادة بناء القوات الجوية العراقية في السنوات القليلة القادمة.
يعلق جون بايك مدير منظمة المعلومات الدفاعية في فرجينيا قائلا: "في هذا الجزء من العالم، الاسم الذي يمكن اطلاقه على دولة لاتملك بضع مئات مقاتلة هو أنها محمية ".
وقد أخفقت القوات الأميركية في تقدير الصعوبات التي ستواجهها في اعادة بناء القوة الجوية العراقية، حيث كانت تتوقع ان تعود الطائرات العراقية الى التحليق في صيف 2004.
ولكن هذا لم يحدث مع أن الامور، كما يقول تقرير الصحيفة، آخذة بالتحسن تدريجيا ، حيث يقوم اكثر من 900 عنصر عراقي بعمليات الصيانة والاصلاح وقيادة الطائرات وذلك في القواعد الاميركية الموجودة في بغداد والتاجي وكركوك والبصرة .
وللدفع بعملية تدريب القوات الجوية الجديدة، يقوم الكولونيل غروسكن برفقة 125 شخصا من فريقه بتدريب العناصر العراقية عن طريق ملازمتهم طوال اليوم في مهمات التدريب والاستشارة.
وتظهر جولة سريعة قام بها مراسل الصحيفة في قاعدة التاجي تقدما طفيفا، كما تبين بالمقابل حجم التحديات التي تواجهها عملية اعادة بناء القوة الجوية العراقية .
ففي احد العنابر الخاصة بصيانة الطائرات يتحلق جمع من الفنيين الاميركيين والعراقيين حول احدى المروحيات، ويؤكد المسؤولون الاميركيون في القاعدة ان الطيارين والفنيين العراقيين لديهم مؤهلات عالية ولكنهم يفتقدون القدرة على اتخاذ القرار بسبب عقود من التعود على نظام الجيش العراقي السابق القائم على المركزية الشديدة.
ولهذا حين يأتي الحديث عن تدريب الطيارين العراقيين، يقول الكولونيل غروشمان، ان الامر لايتعلق بتعليمهم قيادة الطائرات الحربية فقط ، بل ايضا اعادة النظر في رؤيتهم للامور وكيفية اتخاذ القرارات، ويخطط الاميركيون الان لافتتاح مدرسة لتعليم الطيران في الخريف القادم لينهوا اعتمادهم على الطاقم العراقي القديم المدرب على التقنيات العسكرية التقليدية.
يقول الفريق طيار "س" والذي لم يعط اسمه لمراسل الصحيفة في قاعدة التاجي انه يتطلع قدما لليوم الذي يعود باستطاعته التحليق مجددا في السماء ، فهو يشعر كأنه سمكة خارج الماء .
اما الميجور بول فيؤكد ان الطياريين الاميركيين والعراقيين يكنون احتراما لبعضهم البعض لان جميعهم طيارون محترفون بغض النظر عن اعمارهم او خلفياتهم أو أي شيء آخر .
وفي الختام يصف المراسل الفريق طيار "س" وهو يرتدي بزته الخضراء ووشاحه الاسود الصغير، ملقيا النظرة الاخيرة على مروحيته للتأكد من سلامتها قبل ان يدلف الى قمرة القيادة ويقودها الى الاعلى برفقة الميجور بول، ثم يحط بها ثانية وسط دائرة مرسومة وسط الارضية بمهارة شديدة ، فيقول له الميجور الاميركي " رائع جدا " لنرى اذا كنت أستطيع القيام بذلك أنا أيضا "
XS
SM
MD
LG