Accessibility links

تفاصيل جديدة عن عملية نقل اطنان الدولارات من واشنطن الى بغداد


عقد مجلس النواب الاميركي الشهر الماضي عدة جلسات للاستماع الى ملابسات وظروف نقل المليارات من الدولارات من واشنطن الى بغداد قبيل اسقاط نظام صدام حسين بفترة وجيزة.

وتحولت تلك الجلسات وما تمخض عنها من معلومات، الى مادة للهجوم على ادارة الرئيس بوش وموضوع للتندر في الاعلام الاميركي، خاصة عندما وقف عضو الحزب الديمقراطي في مجلس النواب الاميركي هنري واكسمان وتساءل، "من يقوم وهو بكامل قواه العقلية بنقل 360 طنا من الاموال السائلة الى منطقة حرب ؟".

الرد جاء على شكل مقال نشره مساعد وزير الخزانة الاميركي جون تايلور للفترة من 2001 الى 2005 في صحيفة نيويورك تايمز يوم الثلاثاء ، وذكر فيه ان تحقيقا هادئا حول ملابسات هذه القضية يعطي صورة مختلفة تماما.

فهذه الاموال المنقولة جوا في صناديق مغلقة، كانت جزءا من خطة معدة بعناية قبل أشهر عديدة من دخول القوات الاميركية الى العراق

وهي خطة يقول تايلور انها كانت تهدف لمنع انهيار النظام المالي في العراق وتمهيد الطريق امام اصدار عملة عراقية جديدة، على عكس ما يقول المنتقدون الذين اعتبروا شحن الاموال وتوزيعها بهذه الطريقة، فشلا ذريعا يقف وراءه ناصحون غير مخلصون.

ويؤكد تايلور ان الخطة كانت مصممة لتلائم النظام المالي العراقي الذي كان يعتمد بشكل كبير على الاموال السائلة بسبب الافتقار الى التقنيات المصرفية الحديثة.

اعتمدت الخطة في مرحلتها الاولى على توزيع المرتبات لموظفي الحكومة العراقية والمتقاعدين بالدولار الاميركي، والمأخوذة من الارصدة العراقية المجمدة في الولايات المتحدة منذ غزو الكويت عام 1990 والمقدرة بنحو ملياري دولار.

وبما ان الدولار عملة تحظى بالثقة فان دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين بالدولار وفر جوا من الاستقرار المالي لحين قيام العراقيين باصدار عملة نقدية جديدة.

أما المرحلة الثانية من الخطة فقد تمت مناقشتها داخل غرفة العمليات في البيت الابيض من قبل الرئيس بوش واعضاء مجلس الامن القومي يوم الثاني عشر من مارس - آذار عام 2003.

ويشير تايلور ان وزير الخزانة السابق جون سنو افتتح النقاش قائلا، ما ان تستلم حكومة عراقية زمام الامور بعد سقوط النظام، فاننا نخطط لدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين بالدولار الاميركي، وبعدها سننتظر تطور الاوضاع على الارض لنقرر بشأن اصدار عملة جديدة وتابع سنو قائلا انه قد يتم شحن مائة مليون دولار الى بغداد لهذا الغرض في البداية.

ولتنفيذ الجزء الاول من الخطة، أصدر بوش أمرا تنفيذيا يوم 20 من مارس - آذار برفع الحظر عن الموال العراقية المجمدة في المصارف الاميركية، ومن هذه الاموال تم ارسال نحو 237 طنا من الدولارات من فئة دولار و5 و10 و20 دولار الى بغداد.

وبعد 9 نيسان عام 2003 عمل مسؤولو وزارة الخزانة الاميركية الى جانب المسؤولين العسكريين والمدنيين العراقيين بالاضافة الى مسؤولي وزارة المالية العراقية ( الذين نجحوا في الاحتفاظ بسجل دفع الرواتب رغم عمليات النهب التي تعرضت لها مؤسسات الدولة ) للتأكد من ان الاموال قد دفعت فعلا الى الموظفين والمتقاعدين العراقيين.

ويؤكد تايلور ان المسؤولين الاميركيين امتدحوا عمليات التدوين هذه التي قام بها موظفوا وزارة المالية الذين كتبوا اسم كل شخص والمبلغ الذي استلمه خلال الاسابيع الاولى من تغيير النظام.

كما ارسل الجنرال المتقاعد جاي غارنر تقريرا الى واشنطن بتاريخ 29 من ابريل - نيسان قال فيه ان دفع الرواتب بالدولار قد رفع من معنويات الاهالي في بغداد والاهم من هذا كله انه تم تجنب انهيار النظام المالي في العراق.

هذا كله مهد لتطبيق المرحلة الثانية من الخطة، حسب تايلور، ففي خلال اشهر قليلة تم شحن العملة العراقية الجديدة على متن 27 طائرة من طراز بوينغ 747 من سبعة اماكن مختلفة لطبع العملات حول العالم.

وقامت قوافل عسكرية بتوزيع العملة الجديدة الى مائتين واربعين موقعا داخل العراق، وقام العراقيون بابدال دينارهم القديم بالعملة الجديدة

وأثبتت العملة الجديدة شعبيتها فور تداولها كما نجحت في منع انهيار الدينار امام الدولار، وهكذا نجح الجزء الثاني من الخطة.

وقصة تداول ملايين الدولارات بشكل نقدي ليس غريبا عن العراق كما تقول نيويورك تايمز، فصدام حسين سرق مليار دولار من البنك المركزي وقد عثر الجنود الاميركيون على هذا المبلغ في قصوره المختلفة وقاموا بشحنه الى مقر القوات الاميركية في الكويت.

وقامت القوات الاميركية بعدها باستخدام المبلغ في ترميم المدارس والمستشفيات واصلاح الطرق والجسور، ووصف الجنرال بترايوس هذه الجهود بانها كانت ناجحة أكثر من عملية اعادة البناء ولكن هذه الاموال لم تكن المصدر الوحيد للدولارات، فلان الدينار الجديد نال شعبية كبيرة، قام البنك المركزي بشراء مليارات الدولارات لتعزيز احتياطه النقدي، وقام بعدها البنك وبمساعدة الاميركين بشحن هذه المليارات الى البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك لتحصيل الفوائد عليها.

واخيرا وبعدما بدأت الحكومة العراقية في تحصيل عائدات النفط بالدولار الاميركي، قامت الولايات المتحدة بتحويل هذه العائدات الى وزارة المالية العراقية، لتمويل الميزانية ولدفع رواتب الموظفين.

ومعظم هذه التحويلات تمت عام 2004 ومكنت وزارة المال العراقية من اعادة سيطرتها على الاموال العراقية، وال 360 طنا التي اشار اليها السناتور هنري واكسمان تضمنت هذه التحويلات بالاضافة الى 237 طنا التي تم شحنها عام 2003.

وهكذا تعرضت واحدة من اكثر العمليات نجاحا الى انتقادات شديدة وحتى الى التسخيف، والان آن الاوان لامتداح هذه الخطة بدل الاستهزاء بها.

XS
SM
MD
LG