Accessibility links

الصراعات الطائفية في العراق تفتت الزيجات المختلطة بين السنة والشيعة


أفاد تحقيق نشرته صحيفة واشنطن بوست في عددها الصادر يوم الاحد، أن الزواج بين السنة والشيعة يشهد انحسارا ملحوظا، وان هذا النمط من الزواج الذي كان يعبر عن التسامح والوحدة الوطنية فيما مضى، تحول الان الى مغامرة قد لاتحمد عقباها.

وتستشهد الصحيفة برسالة مطبوعة وضعت امام باب منزل تقطنه عائلة مكونة من الزوجة السنية(مي محمود) وزوجها الشيعي الذي امرته الرسالة اما بالرحيل خلال ثلاثة أيام أو مواجهة الموت.

وبما أن المهلة كانت ضيقة لا تتيح فرصة لترتيب الأمور فقد اختارا الهرب من منطقتهما ذات الغالبية السنية إلى بيت والدته القريب من منطقة شيعية.

ومع ذلك فقد كانا هناك أيضا على موعد مع تهجير آخر كما تروي الزوجة للصحيفة الأميركية، " لقد أصبحت حياتنا جحيما منذ الإبعاد الأول وحتى الان".
ويشير تقرير الصحيفة الى أن ظاهرة الزواج المختلط التي كانت في يوم من الأيام معلما من معالم التسامح في المجتمع العراقي تحولت اليوم في ظل ثقافة العنف والكره الى مخاطرة لا تحمد عقباها، فالمسلحون من الطائفتين يجبرون بعض الأسر على ترك منازلهم لأن أحد الزوجين ينتمي الى طائفة مغايرة.
كما تلفت الصحيفة إلى أن هذه العائلات باتت تواجه، خيارات عصيبة، كالتشرد أو الطلاق أو العيش تحت ظل الخوف المستمر، وهي أمور تهدد هذه العائلات بالتشظي والتشتت ما قد يزيد في إضعاف الروابط بين العراقيين الذين لا زالوا يأملون في مصالحة وطنية.
وينقل التقرير ايضا عن الناشطة العراقية في مجال حقوق الإنسان، زينة عبد الرسول قولها إن العراقيين باتوا مضطرين لحماية أنفسهم من خلال الطائفة أو العشيرة.
وإذ تنتمي زينة لتجربة الزواج المختلط فإنها تؤكد أن سماع انفراط عقد مثل هذه الزيجات بات أمرا طبيعيا.
أما ( مي محمود ) فقد انتهى بها الأمر إلى الإقامة مع أهلها في حين التحق زوجها بأهله في القاهرة وبينما يضغط عليها أهلها السنة كي تطلب الطلاق من زوجها، فإن عائلة زوجها باتت مقتنعة هي الاخرى بأن السنة جميعا "قتلة ليس الا"، كما تروي الصحيفة.
تقول مي البالغة من العمر سبعة وثلاثين عاما، انها وزوجها يحبان بعضهما البعض الى حد العشق، وان هذه المشاعر تعقد الأمور أكثر لان الفراق أضفى على حياتهما معاناة شديدة لا تطاق.
هذه الزوجة الجريحة تمنت على الصحيفة بالطبع ألا تكشف عن اسم زوجها حتى لايتعرض الى اي مخاطر أمنية قد تهدد حياته.
ولاحظت معدة التقرير أن مي كانت تخفض صوتها كلما مرّ أحد بجوار الغرفة التي أجريت في داخلها المقابلة معها.
وهذه قصة أخرى للألم ..فأحمد الشمري السني البالغ من العمر 55 عاما، يعيش مع عائلته في منطقة الحرية ببغداد منذ عام 1984. لكن ومنذ شهور قليلة بدأ متشدّدون مسلّحون في المنطقة حملة لإبعاد السنة عن منازلهم، إلا ان الشمري كان يشعر بالأمان باعتبار أن عائلة زوجته الشيعية تقيم في الحرية منذ 40 عاما.
وفي ذات مساء .. كان للشمري حوار مع زوجته لا يزال يتذكره، " لعل من الإفضل لك أن تهرب " اقترحت الزوجة، ورفض الزوج.
وبعد أيام قلائل شهدت رحيل مزيد من العائلات السنية عن المنطقة أعاد الشمري التفكير بالأمر، وازدادت مخاوفه من احتمال أن يعتبر هؤلاء المتشددون زوجته خائنة لطائفتها ويقررون معاقبتها، كما انتابه قلق على مصير ولده الأكبر " عمر " الذي يحمل اسما سنيا شائعا...
هذه الهواجس عززتها رغبة عائلة الزوجة التي يقول الشمري إنها باتت خائفة أيضا لأن إحدى بناتها متزوجة من رجل سني. وكانت خائفة أيضا على مصير صهرهم من عيون المسلحين لذا فقد شجعته على الرحيل.
وفي يوم مرتبك الملامح من شهر تشرين الثاني الماضي جمع الشمري أولاده الثلاثة وبنتيَْه وأبلغهم أنه سيغيب لفترة مؤقتة.. وهو أمر دفع عمر البالغ من العمر خمسة عشر عاما إلى الكشف عن مخاوفه أيضا .. فطلب الرحيل مع والده، وكان له ما أراد.
في صباح اليوم التالي، أعدت العائلة بهدوءٍ لا يلفت الانتباه، حقائبَ الراحلَيْن، وعلى عتبة الباب انهمرت دموع الشمري وهو يعانق أفراد عائلته ويودّع الذكريات، اما الزوجة فقد بكت بحسرة وهي تواجه خيارا ما كان يخطر ببالها، ومن جهتهم بدأ الأولاد والبنات يتذوقون طعم المرارة الأول.
لملم الجميع لحظات الوداع الدامعة وبادر عمر ووالده الى استئجار تاكسي نقلهما مع الحقائب إلى بيت أهل الشمري الواقع في منطقة ذات غالبية سنية تقع على مسافة سبعة أميال فقط من الحرية. لكنها بدت بعيدة فنقاط التفتيش والعنف وحظر التجوال، عقّد عملية تواصل أفراد شقّيْ العائلة فلم يلتقيا إلا قليلا جدا.. فيما الطفل الصغير يسأل والدته صباح مساء عن زمان عودة والده وشقيقه.
ويتكرر الجواب : "سيعودون قريبا إن شاء الله".
وتنقل الصحيفة الأميركية عن مسؤولين في الأمم المتحدة أن مجتمع العائلات المختلطة يشهد هذه الأيام ظاهرة الانفصال بعدما زرع التوتر الطائفي شكوكا مخيفة داخل العائلة الواحدة.
وتلفت الصحيفة هنا إلى أن الضابط في الجيش السابق خليل إبراهيم فهد الجنابي البالغ من العمر 54 عاما افاد بأن ابن اخته السني أحمد قتل رميا بالرصاص على يد صهريه اللذين ينتميان لميلشيا شيعية.
ويضيف الجنابي أنه زوّج ابنته من رجل شيعي لكنه يتمنى اليوم لو أنها تطلق منه. أما عن شقيقتها العزباء فيقول إنه لن يزوجها من شيعي على الإطلاق.
أما ابنته سمر البالغة من العمر 25 عاما والمتزوجة من رجل شيعي فهي تتذكر كيف تغيّر موقف والدها من عائلتها، وكيف أن والدها صار يضغط على والدتها الشيعية من جهة الأب كي تتنازل له عن منزل ورثته في بعقوبة وتضيف انه كان يضربها وهددها يوما بالقتل بالسكين ما دفع الوالدة الى توقيع التنازل.
وبألم تشرح سمر الحالة قائلة : " في أحياء بغداد يقوم الشيعة بترحيل السنة والسنة بترحيل الشيعة ولكن الأمر مختلف معي في عائلتي، فوالدي تولى ترحيلنا ".
إنها إذن الصورة المخيفة لمجتمع بدأ يتفتت بسبب روابط كانت يوما علامة لتسامحه الذي غاب وقد لا يعود.
XS
SM
MD
LG