Accessibility links

التقدم الهائل في التكنولوجيا والاتصالات حوّل العالم إلى قرية صغيرة، لكنها تركت تداعياتها على كثير من أوجه حياتنا المعاصرة وذاكرتنا الفنية والثقافية.

وهذه المرة امتدت التداعيات إلى متاجر بيع الكتب ومتاجر بيع اسطوانات الموسيقى المدمجة، إذ بات القارئ الآن قادراً على تصفح ما يشاء من الكتب عبر الانترنت وتحميل جميع أنواع الموسيقى، بعيداً عن أي تعامل بشري أو لمسات إنسانية.

محل تسجيلات الألحان أو Melody Record أكبر وأعرق متجر لبيع الاسطوانات الموسيقية القديمة والحديثة في واشنطن، الذي اعتادت الناس على ارتياده بشكل مستمر لينسوا عناء اليوم ويقضوا لحظات موسيقية داخله بعيداً عن ضوضاء الحياة العملية، اليوم يغلق أبوابه إلى الأبد!

الزميل واثق سلمان زار المتجر وعاد بالتقرير التالي:

يعود هذا المتجر إلى عائلة افتتحته منذ 34 عاماً، ليغدو نقطة توقف مهمة لدى المارّة في شارع ماساشوسيتس بالعاصمة واشنطن.

فقد أعلن مالكوه الإفلاس والتخفيضات على جميع الاسطوانات الموسيقية، فما كان من الناس إلا أن تهافتوا عليه لشراء أكبر قدر من الاسطوانات والأقراص المدمجة كما لو أنهم يتسابقون على شراء موادَ غذائية قابلة للنفاذ.

وقال أحد رواد المحل ويدعى مارك "لم يعد هناك مكان لشراء الاسطوانات، عليك البحث عما تريد عبر شبكة الانترنت ومن ثم الشراء".

وأضاف "كنت آتي إلى هذا المتجر منذ سنوات وسنوات لشراء ما يعجبني من اسطوانات، والآن أقف أمام أرفف الاسطوانات أتأملها لآخر مرة وأنظر إلى عناوينها، وكما ترى أحاول شراء ما أستطيع لاستكمال مجموعتي".

وقال "ما كان يدفعني باستمرار للمجيء إلى هنا، هو هذا التنوع الهائل للاسطوانات، سأفقتد هذا كثيراً والآن علي التوجه نحو الانترنت لشراء الموسيقى".

وسألنا صاحبة المتجر السيدة ميناز عن سبب إقفال المتجر بشكل مفاجئ، فكانت الإجابة أن التكنولوجيا والانترنت والوضع الاقتصادي السيئ، حالوا دون استمراره، وأنه لم يعد لمتجر Melody Record مكان في هذا العصر.

وأضافت "أنا وزوجي نشعر بالحزن العميق، فقد عملنا طويلاً في هذا المتجر، والآن تقف التكنولوجيا وبرامج تحميل الموسيقى حائلاً أمام مشروع حياتنا، لدينا هنا كل أنواع الموسيقى العالمية، بدءاً من الأوبرا والجاز وصولاً إلى موسيقى التراث، إضافة إلى تسجيلات موسيقية مختلفة".

وقالت "نعم، الآن أغلقت باقي المتاجر الموسيقية أيضاً في واشنطن، ولم يتبقَ سوى متجر واحد لبيع الاسطوانات الموسيقية في نيويورك وآخر في شيكاغو".

وأضافت "جميع محتويات هذا المتجر خاضعة لتخفيضات بنحو 20 في المئة، وطبعاً سيتطلب بيع باقي الاسطوانات بعض الوقت لاسيما أن هناك الكثير منها".

سيترك متجر Melody Record فراغا في شارع ماستشوسيتس، حيث اعتادت الناس التردد عليه وقضاءبعض الوقت في الاستماع إلى الموسيقى وانتقاء اسطوانات الموسيقى المتنوعة التي يرغبونها.

وقال زبون آخر يدعى كارل "عندما تشاهد هذه المعروضات التي تعجبك، تسارع مستمتعا لتنتقي ما تريد شراءه كما لو كنت طفلا وجد ما يشبع رغباته، وبسبب اغلاق المتجر أبوابه فلن تعيش هذا الشعور بعد الآن، إنه شعور يمكنك أن تعيشه مع شخص تتعامل معه، لن تشعر بهذا الدفء مع التكنولوجيا الحديثة، ستجد نفسك قريباً في متجر صغير أمام ابتكارات صغيرة الحجم ومضغوطة، وسنفتقد رؤية معروضات الكتب والاسطوانات إلى الأبد".

لقد قدم فريق متجر Melody Record عملا وجهدا كبيرين على مدار سنوات طويلة لتجميع هذه المجموعة الموسيقية الهائلة من كل أصقاع الأرض، ليتلاشى الآن كل شي بسرعة، وإذا سلمنا بسيطرة التكنولوجيا الجديدة على حياتنا، فما الذي يحمينا من احتمالات تعطلها؟

ماذا سيحدث لو انقطعت الكهرباء يوما ما؟ وبما أن كل شي أصبح متوقفا على التكنولوجيا، ستجد الناس نفسها أمام خيار القراءة على ضوء الشموع، ولن يكون عندها أي جهاز يمكن وصله بالكهرباء.

في التسعينيات كانت ثورة التكنولوجيا وفي الألفية الثالثة نعيش في عالم تكنولوجيا الاتصال التي ستقضي على حضارة الورق.... والسؤال الآن ماذا ستكون الثورة المقبلة؟

XS
SM
MD
LG