Accessibility links

شهدت القاهرة وواشنطن نشاطا دبلوماسيا مكثفا خلال الأسابيع الأخيرة، والسبب أزمة انطلقت شرارتها عندما أصدرت السلطات المصرية أمرا بالقبض على تسعة عشر أمريكيا وعشرات المصريين ممن ينتمون لمنظمات المجتمع المدني فيما يعرف بقضية التمويل الأجنبي.

تلك القضية أثارت ردود فعل متباينة في الأوساط الشعبية والسياسية في كلا البلدين، لاسيما أنها تتزامن مع مرحلة انتقالية دقيقة تمر بها مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير.

كما دار حديث عن احتمال قطع المساعدات الأمريكية لمصر ومراجعة اتفاقية كامب ديفيد التي تم التوصل اليها في عام 1978 وانتهت بموجبها الحرب بين مصر وإسرائيل.

وكانت أحدث فصول التحركات الدبلوماسية الزيارة التي حملت السيناتور الجمهوري جون ماكين إلى مصر حيث التقى بقيادات المجلس العسكري وعدد من ممثلي القوى السياسية الفاعلة وعلى رأسهم الإخوان المسلمون وحزبهم السياسي الحرية والعدالة. ليطلق بعدها ماكين تصريحات يكسوها التفاؤل.

وقال ماكين بعد لقائه بقيادات المجلس العسكري: "نتعامل مع قضية منظمات المجتمع المدني بتفاؤل حذر في أننا سنتوصل إلى حل لهذه المسألة عما قريب. نعتقد أن إطلاق تهديدات لا يساعد على تحقيق تقدم في هذا الموقف الصعب الذي يواجه مواطنين أميركيين. نحن لا نطلق تهديدات. ما نسعى إليه ومن خلال كل اجتماعاتنا هو المصالح المتبادلة والقضايا المشتركة ودعمنا للديمقراطية في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة".

البعض أقر بأن ما يحدث الآن بين القاهرة وواشنطن هو أزمة لم يسبق لها مثيل منذ فترة طويلة ومنهم طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة.

وقال فهمي للمنطقة الحرة: "هي أزمة قد تبدو في بعض الدوائر الدبلوماسية في مصر أزمة هيكلة، فأول مرة خلال ثلاثين عاما تشهد العلاقات بين البلدين هذا الحدث غير المسبوق. قد يكون التصعيد المصري له ما يبرره في الأوساط الشعبية".

كما نبه إيريك تريجر الخبير في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إلى خطورة تداعيات الأزمة الراهنة على العلاقات بين الدولتين.

وقال تريجر للمنطقة الحرة: "عنصر مهم في تلك العلاقة هو أن للأميركيين الحق في التنقل بحرية في مصر، والمصريون بالطبع لهم الحق في التنقل بحرية في الولايات المتحدة. لكن عندما يتم تجاهل هذا الجانب من العلاقات، يصبح من الصعب تبرير استمرار العلاقات القائمة منذ سنوات طويلة. لكنني آمل أن يتم نزع فتيل الأزمة قريبا".

ورغم وجود سبب واضح لتلك المعضلة الجديدة بين البلدين وهي قضية منظمات المجتمع المدني، إلا أن مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية بالقاهرة ابدى استغرابا لتصعيد تلك الأزمة.

وقال السيد للمنطقة الحرة إن "هناك ردود فعل مبالغا من الطرفين" بشأن تلك القضية.

وذكر طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية إن الأزمة الأخيرة قد تكون مرتبطة بتحقيق مكاسب سياسية داخلية مشيرا إلى أن الأمر "ليس مرتبطا بمنظمات المجتمع المدني فقط ولكن بجملة العلاقات المصرية الأميركية".

ومن ناحيته، تحدث نبيل ميخائيل أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن بالعاصمة الأميركية عن وجود أبعاد أكثر عمقا للقضية وهو ما انعكس في وزن الشخصيات الأميركية التي زارت القاهرة في الفترة الماضية.

وقال ميخائيل للمنطقة الحرة إن زيارة ماكين "كان لها أجندة هامة جدا تتعلق بحاضر ومستقبل العلاقات المصرية الأميركية. فالأمر غير مرتبط فقط بنشطاء المجتمع المدني".

معاهدة السلام والمساعدات

وتزامنت تلك التحركات مع تصريحات أطلقها عصام العريان القيادي في حزب الحرية والعدالة وعضو مجلس الشعب بشأن مراجعة معاهدة السلام إذا جمدت واشنطن المساعدات.

ولكن ما الذي يعنيه حزب الأغلبية البرلمانية بهذه التصريحات؟

حلمي الجزار عضو الهيئة العليا للحزب وعضو مجلس الشعب أجاب عن هذا السؤال للمنطقة الحرة قائلا "إن الأمر كل لا يتجزأ وإن المعاهدة تشمل عدة بنود بما فيها المعونة. بالتالي إذا نُقِض هذا البند فتصبح مراجعة الاتفاقية أمرا واجبا".

إذاً هل يمكن نقض تلك الاتفاقية إذا تطور الموقف؟ نبيل ميخائيل أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن نفى إمكانية تحقيق ذلك مشيرا إلى وجود ما وصفه "بالفرضيات الخاطئة" بشأن تلك القضية.

وأشار إيريك تريجر الخبير في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إلى أنه لا يرى داعيا لربط المساعدات الأميركية بمعاهدة السلام مشيرا إلى أن "المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لمصر ليست مرتبطة بشكل مباشر بمعاهدة السلام، بل هي جزء من علاقة أوسع بين البلدين".

وانتقد طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة "حصر المشكلة في قضية المساعدات الأميركية لمصر" مشيرا إلى أن العلاقات بين الجانبين "أعمق من ذلك".

كما نبه فهمي إلى أن مصر تظل مهمة بالنسبة للولايات المتحدة "فيما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط".

وشدد أحمد ابو الخير مساعد وزير الخارجية الأسبق على أهمية ألا تأتي تلك العلاقات على حساب سيادة مصر.

وقال أبو الخير لإذاعتنا: "هناك مبدأ رئيسي لا يمكن أن نحيد عنه وهو سيادة الدولة واستقلال قرارها".

وشدد حلمي الجزار القيادي في حزب الحرية والعدالة على أن استقرار مصر وتحولها نحو الديمقراطية يعود بالنفع على الولايات المتحدة.

وأضاف الجزار: "مصلحة الولايات المتحدة أن تتعامل مع نظام ديمقراطي مستند إلى شعبية حقيقية. هذا هو الضمان الأساسي لكي تكون العلاقات مستقرة".

البرلمان

هناك بـُعد آخر قد يلقي بظلاله على العلاقات المصرية الأميركية وهو نظرة البرلمان المنتخب لتلك العلاقات.

وقال طارق فهمي في هذا الشأن: "الأمر سيكون مرتبطا بمواقف مجلس الشعب فهي التي ستحكم مسار العلاقات المصرية الأميركية وأيضا مسار العلاقات المصرية الدولية. فهناك مطالبات بمراجعة كافة العلاقات المصرية الدولية".

وأشار نبيل ميخائيل أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن إلى أنه ليس من مصلحة البرلمان "إثارة مشكلات بشأن العلاقات بين الدولتين".

ومن ناحيته، حدد حلمي الجزار عضو مجلس الشعب عن حزب الحرية والعدالة التوقيت الذي يمكن أن يتحرك فيه الجهاز التشريعي لفتح ملف العلاقات مع الولايات المتحدة قائلا إن ذلك سيحدث "لو أن الولايات المتحدة اتخذت إجراءً ما".

واشنطن والإسلاميون

وقال طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية المرحلة المقبلة إنه قد تكون هناك "مراجعات في بعض الملفات. فسيكون هناك مطالب من حزب الحرية والعدالة والنور من الولايات المتحدة تتعلق ببرامج أخرى إلى جانب المساعدات. فسيكون هناك حرص على استجابة واشنطن لإقامة منطقة للتجارة الحرة تحديدا".

ووصف فهمي العلاقات الراهنة بين واشنطن وجماعة الإخوان المسلمين وحزبهم الحرية والعدالة "بالإيجابية". ولكن ما الذي يدور بين المسؤولين الأميركيين وقياديي الإخوان في تلك اللقاءات؟

حمدي الجزار عضو مجلس الشعب عن الحرية والعدالة قال إن تلك اللقاءات "يسودها الصراحة من الجانبين".

وأضاف الجزار: "قلنا لهم إن سياسة الولايات المتحدة لا يمكن ربطها فقط بالمساعدات التي تقدمها بمصر، ولكن سياسات الولايات المتحدة لابد أن تكون محايدة أو على الأقل في مشكلة الشرق الأوسط. لقد قلنا إن الولايات المتحدة منحازة تماما لإسرائيل".

هذا الجانب المتعلق بإسرائيل سيكون المحك في تطور علاقة الولايات المتحدة بالإسلاميين في مصر كما أفاد طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية قائلا: "المشكلة هنا هل سيلتزم حزب الحرية والعدالة والنور باتفاقية كامب ديفيد أم سيعاد النظر فيها. هذا تساؤل لم يحسم بعد".

بيد أن طارق فهمي عاد وأكد أن "الاتصالات المكثفة لن تتوقف بل ستزيد في المرحلة المقبلة لاسيما قبل انتخابات الرئاسة في مصر".

XS
SM
MD
LG