Accessibility links

الصحفيون في المناطق الساخنة.. تغطية محفوفة بالمخاطر


تقدمت وسائل الاتصال وتعددت لكن ذلك التطور لم يلغ ِ أو يق ِ الصحفيين المصاعب والمخاطر التي تواجههم في مناطق الصراعات. فما بين الحين والآخر نسمع عن سقوط ضحايا ومصابين من الزملاء في مناطق الصراعات والتوتر. ولعل الحوادث الأبرز كانت في سورية التي تشهد انتفاضة شعبية ومواجهات عسكرية، حيث قُتِل ثلاثة صحفيين أمريكية وفرنسي وسوري، علاوة على محاصرة صحفيين في حمص.

تتنوع الصراعات والمواجهات العسكرية وتخلـّف في أغلب الأحيان التهديد أو الاعتقال أو الإصابة أو القتل.

الناجون من تلك الظروف لا ينسون أبدا التجربة التي مروا بها، فهم عايشوا ما يمكن وصفه بالأهوال التي قد لا يتحملها الكثيرون، والهدف في النهاية هو نقل الخبر ورصد الحقيقة.

نماذج عديدة ومتنوعة، لكننا اليوم اخترنا ثلاثة صحفيين مروا بظروف استثنائية في خضم أجواء عاصفة تهب على المنطقة العربية.

الأول هو محمد زيد مستو الصحفي السوري الذي تعرض للاعتقال منتصف العام الماضي ولمدة شهرين.

وقال مستو للمنطقة الحرة عن تجربته: "مكثت قرابة شهرين. شهر قضيته في أفرع الأمن والتحقيق وبعد ذلك تم نقلي إلى السجن المركزي ليتم اتهامي أمام القضاء بالنيل من هيبة الدولة".

وأوضح مستو إنه تعرض "لتهديدات بعد الإفراج عنه" الأمر الذي دفعه للرحيل عن سورية.

عمل مستو في الداخل لم يكن سهلا فكان أحيانا "يتعاطى مع النظام الأمني السوري على أنه شخص مختلف ولا علاقة له بالإعلام لأن الصحافة هي تهمة تعاقب عليها أجهزة المخابرات".

وفي أحد المرات عندما استوقفته قوات الأمن، قال مستو إنه "مجرد رجل أعمال".

تغطية بين نيران الكتائب

وقبل شهور كان هناك صراع دام آخر راح ضحيته الآلاف وهو الحرب في ليبيا. وكان في قلب تلك الأحداث زميلنا محمد معوض.

رحلة معوض داخل ليبيا أثناء الحرب حملته حتى مدينة مصراتة التي كانت تتعرض إلى قصف متواصل.

وقال معوض: "استمرينا في مدينة مصراتة لمدة أسبوعين. وعند خروجنا بعد أسبوعين بدأت قوات القذافي في قصف الميناء والسفينة التابعة لمنظمة الهجرة الدولية التي كانت تجلي المواطنين والمهاجرين".

وأضاف معوض إنهم كانوا "يرون القذائف تتطاير وتسقط حولهم في البحر أثناء مغارتهم مصراته".

وأثناء التحركات اليومية مع كتائب المعارضة، كان الصحفيون يعيشون ظروفا صعبة. وقال معوض إن الصحفيين كانوا يأكلون الغذاء القليل الذي يوفره مقاتلو الثوار وأحيانا "ينامون في العراء".

تهديدات وضرب في اليمن

صراع من نوع آخر بدأ ولم ينته بعد في اليمن رغم انطلاق المرحلة الانتقالية بانتخاب رئيس جديد. ذلك الصراع وضع أمام الصحفيين "تحديات جمة" كما يقول عبد الباسط الشاجع الذي يغطي أخبار بلده لعدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.

وأضاف الشاجع للمنطقة الحرة: "عانينا الكثير والكثير أثناء تغطيتنا لأخبار الثورة. كنا نتعرض أحيانا للضرب والاختطاف والقتل والاختطاف والمنع من التغطية".

وتعرض الشاجع ذات مرة للضرب أثناء عمله "بكعب بندقية في رأسه" من قبل قوات الأمن أثناء تغطيته إحدى المسيرات.

وتطرق الشاجع إلى تحد آخر يواجه الصحفي وهو المسلحون المتشددون الذين ينتمي بعضهم لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.

وقال الشاجع إنهم في بعض الأحيان "يعيقون عمل الصحفيين وقد يتعرض الصحفي لتهديداتهم".

ارتفاع عدد الضحايا

المنظمات المعنية بحماية حقوق الصحفيين رصدت بالفعل زيادة كبيرة وغير مسبوقة في حجم الضحايا بين الصحفيين في العام الماضي لا سيما مع تفاعل الحراك السياسي في الشرق الأوسط.

وقال محمد عبد الدايم منسق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للجنة حماية الصحفيين التي تتخذ من نيويورك مقرا لها إنهم سجلوا "مقتل تسعة عشر صحفيا في العام المنصرم" في منطقة الشرق الأوسط.

وأوضح عبد الدايم للمنطقة الحرة أن بعض الضحايا "كانوا في دول لم تسجل فيها مثل تلك الحالات في العقود الماضية مثل البحرين وسورية. في ليبيا أيضا سجلنا خمس حالات في حين أنه لم يكون بها سوى حالة واحدة فقط في عشرين عاما".

ومن ناحيته، وصف سالم الجهوري الكاتب الصحفي العماني عضو الأمانة العامة لاتحاد الصحفيين العرب، وصف مهمة الصحفيين في الظروف الراهنة "بالانتحارية".

وأشار الجهوري في تصريح للمنطقة الحرة إلى أن هناك "خللا أدى إلى استهداف الصحفيين خلال الأحداث التي تشهدها المنطقة سواء كانت خطوات متعمدة بفعل فاعل أو بسبب وجود الصحفي في المكان والزمان الخاطئين".

وقال محمد عبد الدايم منسق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للجنة حماية الصحفيين إن ارتفاع مستوى العنف بشكل عام في المناطق الساخنة "يزيد من احتمالات إصابة الصحفيين".

لكن عبد الدايم عاد وأشار إلى أنهم وثقوا عشرات الحالات "التي يستهدف فيها الصحفي لأنه صحفي ويقوم باللقاءات الصحفية وتوثيق الواقع كما هو على الأرض".

الاتصال بالحكومات

وأفاد عبد الدايم بأنهم يتخذون عددا من الخطوات عندما يتعرض الصحفيون للأذى حيث يقومون "بتوثيق الحالة وجمع تفاصيل تلك الحوادث".

وتطرق عبد الدايم إلى حادث مقتل الصحفيين الأخير في سورية قائلا "اتصلنا بالحكومة السورية وناشدناها التمسك بالتزاماتها الدولية تجاه هؤلاء الصحفيين فهم مدنيون ويجب حمايتهم" وفقا للاتفاقات الدولية.

اتحاد الصحفيين العرب يتصل هو الآخر بالحكومات لضمان حماية الصحفيين. وقال سالم الجهوري بهذا الخصوص: "هناك الآن بين الاتحاد والعديد من الحكومات العربية التي تشهد هذه التوترات، تواصل مباشر مع المسؤولين لحماية الصحفيين وتأمين دورهم في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها هذه الدول. وتحميل هذه الدول المسؤولية الكاملة عن حياة الصحفيين".

المهنية والحياد

ولكن في ظل تلك الأوضاع وعندما يصبح الصحفي مستهدفا هو الآخر وتصوَّب إليه فوهات بنادق القوى المتصارعة، هل يمكن أن يكون موضوعيا ومنهجيا التزاما بشرف تلك المهنة الصعبة؟

عبد الباسط الشاجع الصحفي اليمني قال إن الحصول على المعلومة في تلك الظروف "أمر غاية في الصعوبة".

أما محمد مستو الصحفي السوري فكان يعتمد في البداية على الخبر بطريقة مباشرة لكنه لجأ بعد ذلك عندما تطورت الأحداث إلى "التواصل مع مصادره بطريقة غير مباشرة. فبات هناك مصادر في المناطق الساخنة وهم شبان متطوعون يرسلون لنا الأخبار ومقاطع الفيديو".

وقال مستو إن الظروف الراهنة قد تجعل الصحفي "منحازا إلى المواطن العادي".

لكن زميلنا محمد معوض نبه إلى ضرورة أن يلتزم الصحفي بالمهنية تحت أي ظروف و"ألا تجعل نفسك جزءً من التجربة" بمعنى أن يتعاطف المرء مع المشاهد التي يراها حوله.

وشدد سالم الجهوري عضو الأمانة العامة لاتحاد الصحفيين العرب على أنهم يأخذون على عاتقهم "التصدي للانحياز الذي تتسم به تغطيات بعض وسائل الإعلام".
XS
SM
MD
LG