Accessibility links

logo-print

الكنيسة القبطية بعد البابا شنودة الثالث وتطلعات الأقباط


حدث جلل آخر تشهده مصر رحيل البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقصية، رأس إحدى أبرز الكيانات في البلاد.

حزن وتعازي ودموع وترقب ومخاوف وتطلع للمستقبل.. كلها مشاعر خيمت على أجواء مصر لتضيفَ هما جديدا لمرحلة انتقالية بدأت بسقوط النظام السابق العام الماضي ولم تنتهِ بعد.

لم تعرف الكنيسة طوال واحد وأربعين عاما إلا البابا شنودة الثالث وهو ما يعني - كما يعتقد البعض - أن القادم يبدو مجهولا وأن الأمر قد ينعكس على دور الكنيسة ووضع الأقباط في تلك الظروف الاستثنائية.

يرى جمال أسعد عضو مجلسي الشعب والشورى الأسبق أن البابا شنودة الثالث كان شخصية استثنائية مما "سيترك فراغا كبيرا في الكنيسة المصرية وفي القضية الوطنية بمعنى قضية الوحدة الوطنية والعلاقة بين المسيحيين والمسلمين. فبالتالي من سيأتي بعده سيكون في مأزق كبير نتيجة لمجيئه بعد مثل هذه الشخصية ذات التأثير القوي".

بيد أن ممدوح نخلة رئيس مركز الكلمة لحقوق الإنسان شدد على أن من سيشغل منصب البابا سيكون من تلاميذ البابا شنودة "وهو ما يعني أنه سيكون من نفس مدرسة البابا الراحل".

أما يوسف سيدهم رئيس تحرير صحيفة وطني فنبه إلى أن التغييرات التي طرأت بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير "أرسلت رسالة واضحة للكنيسة وهي أنه بذهاب نظام مبارك ستتأثر بشكل سلبي العلاقة التي كانت قائمة بين البابا شنودة ورئيس الدولة".

وقال سيدهم عن تلك العلاقة أثناء حكم النظام السابق: "إن البعض كان ينظر إليها على محمل إيجابي وهو أن قداسة البابا يتولى شؤون الأقباط ومشاكلهم ويستطيع حلها باتصاله الشخصي بالرئيس مبارك. بينما شريحة أخرى كانت تنظر إلى هذه العلاقة على محمل سلبي وأن هذه العلاقة ليست إيجابية وأن الأقباط يجب أن ينخرطوا في المؤسسات السياسية ليعبروا عن أنفسهم لأن هذه هي العلاقة الصحيحة".

شخصية البابا القادم

لكن هل تحتاج المرحلة الجديدة شخصية مختلفة؟

ممدوح نخلة قال إنه يتعين على البابا الجديد "أن يكون على دراية واسعة بالأمور السياسية ولا يكون منعزلا عن الواقع. وفي نفس الوقت يجب أن يكون أبا روحيا ولكن ليس مطلوبا منه أن يكون سياسيا".

لكن نخلة شدد على أن شخصية القادم يجب أن تكون "قوية".

وفي المقابل، قال جمال أسعد عضو مجلسي الشعب والشورى الأسبق إن البابا يجب أن ينأى بالكنيسة بعيدا عن العبء السياسي.

وأضاف أسعد: "إن الظروف التي عايشها البابا السابق اختلفت الآن. كما أن شخصيته لن يكون لها شبيه. فبالتالي إذا ألقي العبء السياسي على الكنيسة من قِبل الدولة أو الظروف السياسية ألقت عبئا سياسيا على الكنيسة فيما يخص مشاكل الأقباط غير الدينية، فيجب أن يكون هناك متغير حقيقي وهو أن تكون الكنيسة في إطارها الروحي وليس مطلوبا من البابا القادم أن يكون زعيما روحيا وسياسيا".

وقال يوسف سيدهم رئيس تحرير صحيفة وطني إن "حكمة البابا السابق سطرت نموذجا يجب ان يحتذى. فإذا كان من الجائز أن الأقباط كأشخاص يتصارعون في أي موقف، فليس من الجائز اطلاقا أن تكون الرئاسة الدينية في موقف يدفعها للجوء إلى العنف أو التصادم".

أما سعيد عبد الحافظ رئيس ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان المهتم بشؤون المواطنة فرجح أن "يتم انتخاب شخصية ليست صدامية ولكن على الاقل البطريرك القادم سيكون لديه حسم يسمح بطرح مشكلات الأقباط".

وأضاف عبد الحافظ قائلا: "ستختفي قليلا المواءمات السياسية التي كان يقوم بها البابا شنودة لأنه الفترة السياسية السابقة كانت تتطلب ذلك".

مخاوف ومطالب

في السنوات الأخيرة تصاعدت وتيرة ما يوصف بالمواجهات الطائفية. كما لم يتوقف الأمر بعد الثورة فوقعت مصادمات بين مسلمين وأقباط في حي إمبابة الشعبي بمصر أسفرت عن وقوع قتلى وجرحى. ثم كانت الاحداث الأبرز في أكتوبر تشرين أول الماضي عندما وقعت اشتباكات بين متظاهرين أقباط والشرطة العسكرية وسقط فيها عشرات القتلى والمصابين.

تلك الأحداث رافقها صعود للجماعات السياسية ذات المرجعية الإسلامية في المشهد السياسي، والتي قد يكون له دور كبير في كتابة دستور البلاد الجديد واختيار الرئيس القادم. كل تلك المعطيات زادت من مخاوف الأقباط بشأن المستقبل.

وقال سعيد عبد الحافظ إن الواقع يؤكد "أن هناك أقلية قبطية لديها حقوق منقوصة وتعاني من التمييز في المجتمع المصري. كما أن المستقبل السياسي في مصر يثير قلق ليس فقط الأقباط ولكن أيضا العلمانيين والليبراليين والشخصيات التي لا تنتمي إلى النظام السياسي الإسلامي الذي تتبناه جماعة الإخوان والجماعات السلفية".

لكن سالي توما من شباب الثورة انتقدت أسلوب تعامل الكنيسة في السنوات الماضية مع مشاكل الأقباط المتعلقة بحقوقهم كمواطنين مصريين.

وقالت توما: "كان على البابا السابق أن يدخل لعبة السياسة وأن يحتوي رعيته داخل الكنيسة. وبعد أن نما وعينا أدركنا أن هذا خطأ كبير. فعندما كان يرفع الأقباط أي مطالب تتعلق بمواطنتهم كان ذلك يتم داخل أسوار الكنيسة".

وأفادت توما بأن كل شيء تغير بعد الخامس والعشرين من يناير ألفين وأحد عشر "فالكنيسة نفسها بدأت تتحرر. وخرج المسيحيون لاسيما الشباب خارج أسوار الكنيسة وبدأ الجميع يتعرفون على بعضهم البعض".

وطالبت توما الكنيسة في المرحلة القادمة بإطلاق "يد الأقباط سياسيا دون تدخل منها". ومن ناحيته، دعا يوسف سيدهم رئيس تحرير صحيفة وطني المواطنين المسيحيين إلى الحصول على حقوقهم وإسماع صوتهم عبر المشاركة.

وأضاف سيدهم: "يجب أن يتم ذلك من خلال وجودهم الفاعل في الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والمجالس المنتخبة سواء محلية أو برلمانية لتعود الأمور إلى نصابها الصحيح وهو أن يتولى الاقباط تمثيل أنفسهم كمواطنين مصريين".

وتحدث ممدوح نخلة رئيس مركز الكلمة لحقوق الإنسان عن وجود حراك سياسي نشط بين أوساط الأقباط في الوقت الراهن.

وقال نخلة: "هناك تحركات مطالبة بأن يصل صوتهم بعيدا عن سلطة الكنيسة. ودور هذه التحركات يتنامى يوما بعد يوم".

وتوقع يوسف سيدهم ألا تولي الكنيسة "مشاركة الأقباط سياسيا اهتماما كبيرا في المرحلة القادمة"، لكنها ستركز على "كل ما يتصل بدور العبادة والأحوال الشخصية للمسيحيين". وقال ممدوح نخلة إن العبء في وصول صوت الأقباط سيكون على "عاتق الناشطين السياسيين في المستقبل".

ورغم وجود مخاوف من الصعود الإسلامي، إلا أن ممدوح نخلة قال إن الأقباط "يعولون على الأصوات المعتدلة".

وألمح سعيد عبد الحافظ إلى وجود ميل بين الأقباط لتبني ما يعرف باسم "وثيقة الأزهر بشأن مستقبل مصر".
XS
SM
MD
LG